روسيا تكثّف غاراتها الليلية القوية بالمسيّرات بينما يتراجع درع أوكرانيا الجوي

أصبحت سماء أوكرانيا ليلاً مسرحاً لواحدة من أكثر فصول هذه الحرب قسوةً وإلحاحاً. ففي كل مساء، ومع تلاشي ضوء النهار وهدوء شوارع المدن، يعود صوتٌ مألوف. ينساب أزيز المحركات الخافت عبر الظلام، فيتوقف ملايين الناس ويصغون وينتظرون. إنها طقوس تتكرر مئات المرات، وتحمل كل مرة السؤال الهادئ نفسه: هل يصمد الدرع الليلة؟

تشير تقارير وسائل الإعلام الغربية الآن إلى أن صناعة الدفاع الأوكرانية، إلى جانب صناعات حلفائها الغربيين، تكافح لمجاراة إنتاج روسيا. ويقرّ المحللون بأنهم لا يستطيعون إزالة القصف الذي يأتي مع حلول الظلام. والأرقام تروي حكاية خاصة بها، حكاية عن المصانع والصبر والخوف والخط الرفيع بين الحماية والانكشاف.

موجات تصل بعد منتصف الليل

وفقاً لتقارير وسائل إعلام غربية، صعّدت روسيا استخدام المسيّرات في غارات ليلية، إذ ترسل أسراباً بأنماط تهدف إلى الإرباك والإنهاك. ونادراً ما تأتي الهجمات ضربة واحدة؛ بل تأتي على شكل موجات تُوقَّت بحيث يضطر المدافعون إلى اختيار الأهداف التي يحمونها وتلك التي يتركونها مكشوفة. الاستراتيجية قديمة من حيث المبدأ وحديثة في التنفيذ: أشبِع السماء، وسيتسلل شيء ما.

ويلاحظ المراقبون العسكريون أن التوقيت لا يقل أهمية عن التقنية. فالغارات التي تُشن في عمق الليل تقطع النوم، وتقلل فعالية العمل النهاري، وتُنهك الأطقم التي يجب أن تظل متيقظة ساعة بعد ساعة. فالمشغّل المرهق مشغّل أبطأ. وعلى مدى أسابيع، قد يصبح هذا الفارق حاسماً بطرق لن يرصدها أي تقرير معركة منفرد.

يصف سكان القرى في الشرق الصوت بهدوء يبعث على الانقباض. يقولون إنك تتعلم التمييز بين محرك بعيد ومحرك يقترب. يحمل الآباء أطفالهم النائمين إلى الممرات والأقبية دون إيقاظهم. وتبقي الجدات الشموع والماء جاهزين قرب الباب. الحياة مستمرة، لكنها تستمر تحت سقف من الغموض.

العبء النفسي جزء من التصميم. فالغارة لا تحتاج إلى تدمير مدينة كي تغيّرها، بل يكفيها أن تجعل المدينة خائفة. والخوف، على عكس الخرسانة، لا يمكن إعادة بنائه بشحنة إمدادات.

حرب تُقاس بالمصانع

خلف كل ليلة من النار يكمن صراع أكثر هدوءاً يُخاض في المصانع والورش وخطوط التجميع. لقد لاحظ المحللون الغربيون مراراً الفجوة بين ما تنتجه روسيا وما تستطيع أوكرانيا وشركاؤها توفيره. فقد وجّهت روسيا أجزاء كبيرة من اقتصادها نحو الإنتاج العسكري، وتدير مصانعها على مدار الساعة. أما أوكرانيا، على النقيض، فتعتمد اعتماداً كبيراً على وتيرة حلفائها وسياساتهم.

وهذا التفاوت يشكّل ساحة المعركة بطرق يسهل إغفالها. فعندما يستطيع أحد الطرفين تعويض خسائره بسرعة، يمكنه أن ينفق المسيّرات كما تُنفق الذخيرة. وعندما يضطر الطرف الآخر إلى انتظار التسليمات عبر الحدود، تتحول كل عملية إطلاق إلى حساب دقيق. فالمدافعون لا يقاتلون الهجوم الذي أمامهم فحسب، بل يقاتلون التقويم نفسه.

والسباق لا يدور حول الأسلحة الجاهزة فحسب، بل حول المكوّنات وأدوات الآلات والعمالة الماهرة وشبكات نقلها جميعاً عبر الحدود. فالعقوبات تهدف إلى إبطاء أحد الطرفين بينما تهدف المساعدات إلى تسريع الآخر. وكلاهما يحتاج وقتاً ليُظهر نتائجه، والوقت هو بالضبط ما يملكه المدافعون بأقل قدر.

الدرع المتآكل

العبارة التي تظل تتكرر في التغطية الغربية بسيطة ومثيرة للقلق: الدرع الجوي يترقّق. فمخزونات الصواريخ الاعتراضية محدودة، وأنظمة الدفاع الجوي باهظة الثمن وبطيئة البناء والتسليم. وكل اعتراض ناجح يستهلك مورداً لا يمكن استعادته بين ليلة وضحاها.

لذلك يواجه المدافعون حساباً قاسياً: أطلِق صاروخاً باهظاً على مسيّرة رخيصة فتكون الصفقة في صالح المهاجم، أو أوقف النار لتوفير الصاروخ فقد تصل المسيّرة إلى هدفها. لا توجد إجابة نظيفة، بل سلسلة من الخيارات المؤلمة تُتخذ في ثوانٍ، وغالباً في الظلام، وغالباً بينما يسقط شيء ما بالفعل.

حذّر مسؤولون في كييف من أن الفجوات ستتسع من دون إعادة إمداد منتظمة، وتردد تقارير الإعلام الغربي القلق نفسه. فصناعات الدفاع في أوكرانيا وحلفائها تعمل بجد، لكنها تكافح لمجاراة الحجم الهائل الذي تستطيع روسيا دفعه إلى السماء. فالاختناق ليس في الشجاعة، بل في القدرة.

دعا بعض المحللين إلى حلول مبتكرة، من صواريخ اعتراضية أرخص إلى أدوات إلكترونية جديدة يمكنها تشويش المسيّرة أو إعادة توجيهها قبل أن تصل إلى المدينة. فالابتكار يتقدم بسرعة، لكن التهديد يتقدم بالسرعة نفسها. وكل دفاع جديد يستدعي رداً مضاداً جديداً، وتدور الحلقة أسرع مما تستطيع الميزانيات اللحاق به.

ثمن كل اعتراض

تأمل ما تكلفه ليلة واحدة من الغارات فعلياً. في جهة، عشرات الآلات، بعضها بدائي وبعضها متطور، تُطلق من مواقع متفرقة. وفي الجهة الأخرى، مشغلو الرادار والأطقم المتأهبة وسلسلة من القرارات يجب أن تظل متماسكة من دون أي انقطاع. وأي خطأ في حلقة واحدة قد يعني انفجاراً في أحد الأحياء.

وهناك أيضاً التكلفة البشرية التي لا يمكن حسابها بالعملة. فعمال الإنقاذ الذين يصلون بعد الضربة يحملون ذكريات لا يناقشونها. والمسعفون يعالجون الجروح ثم يعودون إلى العنابر نفسها في الليلة التالية. والمتطوعون يمررون الدلاء والبطانيات وكأنها أدوات عادية. ففي الحرب الطويلة تصبح الحياة العادية نوعاً من البطولة لا يتوقف أحد لتسميتها.

لهذا تكتسب عبارة «عدم القدرة على إزالة القصف» كل هذه الأهمية. إنها اعتراف يقدّمه المحللون والمسؤولون بهدوء بأن الدفاع المثالي وهم. وأفضل نتيجة متاحة هي إضعاف الهجوم وتقليل الأضرار وإبقاء الأنوار مضاءة لليلة إضافية. هذا هو المعيار الذي يُقاس به النجاح الآن.

دبلوماسية في العتمة

كل تصعيد يعيد تشكيل الحوار الدبلوماسي. فعندما تشتد الغارات ترتفع أصوات المطالبة بمزيد من الدعم. وعندما يصل الدعم ببطء تجد الغارات مساحة أوسع. والدورتان تغذيان بعضهما بعضاً، والناس العالقون بينهما يدفعون الثمن.

يدرك القادة أن الصورة جزء من ساحة المعركة. فالمدينة التي تبقى مضاءة ترسل رسالة، والمصنع الذي يواصل الإنتاج يرسل رسالة أخرى، وكذلك الأمة التي ترفض أن يفرض الظلام جدولها. إن قيمة الصمود هائلة، والطرفان يعرفان ذلك جيداً.

لقد صاغت التغطية الغربية للنزاع المشكلة بوصفها مسألة إنتاج وإرادة. فالحلفاء يتناقشون في الميزانيات والجداول الزمنية والأولويات السياسية. وتقول أوكرانيا إن التأخير يكلّف أرواحاً وإن الدرع يجب تقويته قبل الموجة التالية لا بعدها. أما روسيا فيبدو أنها راضية بترك إيقاع الغارات يتحدث عنها.

بالنسبة للمراقبين البعيدين عن الجبهة، قد تبدو القصة بعيدة. لكن غارة المسيّرات ليست فكرة مجردة؛ إنها عائلة تستيقظ في الثالثة فجراً، وطفل يسأل لماذا السماء صاخبة، وصاحب متجر يكنس الزجاج المحطم قبل أن يفتح أبوابه. الحرب تُخاض بالآلات، لكنها تُعاش من قبل الناس.

ماذا بعد؟

ستختبر الأشهر المقبلة ما إذا كان يمكن إعادة بناء الدرع أسرع مما يتآكل. فخطوط الإنتاج والتزامات الحلفاء وصمود المواطنين العاديين كلها ستؤدي دوراً. ويحذر المحللون من التفاؤل السهل، ويحذرون بالقدر نفسه من اليأس. فنادراً ما تُحسم حروب الاستنزاف في لحظة درامية واحدة؛ بل تُحسم ببطء، عبر ميزة متراكمة وإنهاك متراكم.

سيدرس المؤرخون يوماً هذه المرحلة ويتساءلون كيف شكّل صراع ليلي على السماء النزاع الأوسع. والإجابة على الأرجح ستكون أن الغارات لم تكن يوماً تتعلق بالأهداف التي تصيبها فحسب، بل كانت تتعلق بالضغط والاستنزاف وبالرسالة التي تقول إنه لا يوجد مكان بعيد عن المتناول حقاً.

ويبدو من المؤكد أن الليالي ستظل موضع صراع. وستظل المحركات تطن، وستظل الأطقم تراقب. والسؤال الذي يخيم على كل مدينة غارقة في الظلام، ويتكرر مع كل صفارة إنذار، سيبقى هو نفسه: هل يصمد الدرع الليلة؟

الخلاصة

إن قصة هذه الغارات قصة عن الأرقام والمصانع والصبر والخوف. لقد وسّعت روسيا حملاتها الليلية بالمسيّرات، والدرع الجوي الأوكراني يرزح تحت هذا الوزن. وتقر التقارير الغربية بالفجوة بينما تعترف بأن القصف لا يمكن ببساطة أن يُستبعد بالتمني. وفي النهاية، الصراع على الظلام منافسة بين الإنتاج والحماية، وبين الحجم واليقظة. أما بالنسبة للناس في الأسفل، فالنتيجة لا تُقاس بأوراق الاستراتيجية، بل تُقاس بصباحات هادئة وبيوت سليمة وبأمل بسيط في أن تكون الليلة القادمة أكثر هدوءاً من سابقتها.


Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Ready to Take Your
Investments to New Heights?

Join investors and Experience the Power of High-Performance Strategies, Robust Security, and Stellar Customer Support.

The new Reserve CryptoCurrency.

Buy and Invest in BRICS Chain.

contact@bricschain.org

Copyright: © 2026 BRICS Chain. All Rights Reserved.