نيودلهي 2026: هل تستطيع مصر تحويل عضوية بريكس إلى نفوذ حقيقي؟

هناك نوع خاص من الكهرباء يسري في المدينة المضيفة خلال الأسابيع التي تسبق قمة عالمية كبرى. وفي نيودلهي، بدأ ذلك التيار يتراكم بالفعل. ومع افتتاح قمة بريكس الثامنة عشرة تحت شعار «البناء من أجل المرونة والابتكار والتعاون والاستدامة»، ستكون العاصمة الهندية قد تحولت إلى قدر ضغط دبلوماسي، تُوزن فيه المصافحات بعناية، وتزدحم فيه الممرات بالاستراتيجيات، ويحمل كل مؤتمر صحفي ثقل نظام عالمي آخذ في التغير.
لكن خلف الأبهة والمراسم، يتربص سؤال أكثر حدة. ليس فقط ما الذي سيُناقش، بل ما الذي سيتغير فعلاً. فبالنسبة لمصر، الدولة التي انضمت إلى بريكس بآمال عريضة وتوقعات ثقيلة، لا تمثل هذه القمة فرصة أخرى لالتقاط الصور. إنها اختبار. والسؤال الحقيقي الجدير بالطرح هو: هل تستطيع مصر تحويل عضويتها في بريكس إلى نفوذ حقيقي قابل للقياس، أم ستبقى مجرد راكب في قطار ساعدت في ركوبه؟
دعوة غيّرت مسار النقاش
عندما رُحّب بمصر رسمياً في أسرة بريكس، امتد صدى الخبر إلى ما هو أبعد من القاهرة بكثير. فبالنسبة لدولة لطالما أدت دور القوة الإقليمية الثقيلة، كانت الدعوة أكثر من مجرد مراسم. لقد كانت اعترافاً. وقالت إن مصر ذات شأن على مسرح تُعاد فيه كتابة القواعد القديمة، وحيث يطالب الجنوب العالمي بمقعد على طاولات كانت في يوم من الأيام حكراً على الغرب.
غير أن العضوية والنفوذ ليسا الشيء نفسه. فالمقعد في القاعة بداية، لكن الصوت الذي يملأ هذا المقعد يجب أن يكون عالياً وواضحاً ومدعوماً باستراتيجية. لقد وصلت مصر وهي تحمل أصولاً لا يضاهيها فيها سوى قلة من الأعضاء الجدد. فقناة السويس، شريان التجارة العالمية، تقع في حديقتها الخلفية. وجغرافيتها تصل أفريقيا بالشرق الأوسط والمتوسط. وسكانها، الأكبر في العالم العربي، يمنحونها وزناً ديموغرافياً. ودورها التاريخي كقائدة لحركة عدم الانحياز يعني أنها تفهم، أكثر من معظم الدول، فن التوازن بين القوى العظمى من دون أن تفقد توازنها هي نفسها.
ماذا تقدم مصر إلى الطاولة
لنكن صادقين بشأن ما تقدمه مصر لبريكس، لأن الإجابة تحدد كل ما يأتي بعد ذلك. فقناة السويس وحدها أصل استراتيجي لا يمكن لأي قدر من الخطابة أن يستنسخه. ففي كل عام تمر حصة كبيرة من التجارة العالمية عبر المياه المصرية، وفي تكتل يرى بشكل متزايد أن البنية التحتية والربط أدواتٌ للقوة، لا يُعد ذلك حاشيةً هامشية، بل أساساً.
كما أن مصر تمتلك الطاقة أيضاً. فحقول الغاز في شرق المتوسط، والدفعة نحو الطاقة المتجددة في الصحراء، والممرات اللوجستية التي تربط آسيا بأوروبا، كلها تجعل القاهرة عقدة لا غنى عنها في الشبكات ذاتها التي تريد بريكس تقويتها. وعندما يتحدث التكتل عن المرونة، تستطيع مصر أن تشير إلى مشاريع أبقت البضائع والطاقة تتحرك فعلياً خلال أوقات مضطربة.
وهناك أيضاً قصة ديموغرافية. فبسكانها الشباب الطموح واقتصادها الذي يظل، رغم صعوباته، واحداً من أكبر الاقتصادات في القارة، تمثل مصر ذلك النوع من أسواق النمو الذي يحلم به مستثمرو بريكس وبنوك التنمية التابعة لها. وبالنسبة لبنك التنمية الجديد، ليست مصر مجرد مقترض آخر، بل هي بوابة.
المسافة بين الوعد والتنفيذ
لكن هنا يتحول الأمر إلى التعقيد. فمع كل الوعود، تُقاس المسافة بين الانضمام إلى تكتل وصياغة أجندته بالعملة الصعبة، والقدرة المؤسسية، والإرادة السياسية. لقد أمضى الاقتصاد المصري السنوات الأخيرة في مواجهة التضخم وضغوط العملة والعبء الثقيل للديون الخارجية. وهذه ليست نقاط ضعف سرية، بل جروح مكشوفة يرقبها الشركاء الدوليون عن كثب.
فالنفوذ داخل بريكس لا يأتي من مجرد الحضور، بل من القدرة على الاقتراح والتمويل والتنفيذ والإقناع. تستطيع مصر أن تقدم الجغرافيا والرؤية، لكن هل تستطيع أن تقدم رأس المال؟ هل تستطيع أن ترسو مجموعة عمل حول الأمن الغذائي ببرامج تطعم الناس فعلاً؟ هل تستطيع أن تقود فريق عمل حول البنية التحتية المستدامة بمشاريع بدأ تنفيذها بالفعل، لا مجرد عروض على شاشة؟
إن القمة في نيودلهي ستكشف الإجابة، جزئياً على الأقل. فإذا وصلت مصر بمبادرات ملموسة، ومشاريع مشتركة جاهزة للتوقيع، ورواية واضحة عمّا تريده من التكتل، فسوف تُعامَل كشريك. أما إذا وصلت فقط لكي تُرى، فسوف يلاحظ الحاضرون ذلك، وكذلك سيفعل التاريخ.
مسألة العملة وجدل التخلي عن الدولرة
من بين أعلى النقاشات صوتاً داخل أروقة بريكس الدفع نحو تقليل الاعتماد على الدولار في التجارة والاحتياطيات. وبالنسبة لمصر، لا يُعد هذا نقاشاً أكاديمياً مجرداً، بل صراع يومي. فلقد شعرت البلاد بوخز تقلبات العملة وضغط الديون المقومة بالدولار بشكل أكثر حدة من أي عضو آخر في التكتل تقريباً. وقد يؤدي التحول نحو التسوية بالعملات المحلية، أو إنشاء آليات دفع بديلة، إلى تخفيف جزء من ذلك العبء.

لكن على مصر أيضاً أن تتحرك بحذر. فالابتعاد المتسرع والمتهور عن الأنظمة القائمة على الدولار قد يُخيف المستثمرين أنفسهم الذين تحتاج البلاد إلى رؤوس أموالهم بشدة. يكمن الفن هنا في الترتيب والتدرج، وفي خطوات تدريجية ذات مصداقية تشير إلى الاستقلال من دون إثارة الذعر. وقد تكون نيودلهي المسرح الذي تدفع فيه مصر نحو أدوات عملية، مثل خطوط مقايضة العملات مع الدول الأعضاء، بما يحول الطموح إلى منفعة يومية للشركات المصرية.
الاستثمار والبنية التحتية وبنك التنمية الجديد
البنية التحتية هي حيث تتحول الكلمات إلى فولاذ وخرسانة. فمشاريع مصر الكبرى، من المدن الجديدة إلى الموانئ الموسعة، متعطشة للتمويل. وبنك التنمية الجديد، وهو المؤسسة المالية الخاصة ببريكس، يمتلك التفويض لدعم مثل هذه الطموحات. والسؤال هو ما إذا كانت مصر تستطيع أن تضع نفسها كوجهة ذات أولوية، لا مجرد واحد من بين كثيرين يطلبون التمويل.
وللقيام بذلك، عليها أن تقدم مشاريع قابلة للتمويل، وأطراً تنظيمية واضحة، وخطة مشاريع ذات مصداقية. وعليها أن تُظهر أن الأموال التي تمر عبر القاهرة ستحقق عوائد ووظائف واستقراراً إقليمياً. ففي عالم يتسم رأس المال الاستثماري فيه بالحذر والتطلب، لا تستطيع مصر أن تعتمد على العواطف، بل عليها أن تنافس، وأن تفوز.
الأمن الغذائي والنفوذ الصامت
ثمة ورقة أخرى في يد مصر غالباً ما تمر دون أن يلاحظها أحد وسط بريق دبلوماسية القمم: إنها الغذاء. فمصر واحدة من أكبر مستوردي القمح في العالم، وقد حوّلت الاضطرابات التي شهدتها منطقة البحر الأسود في السنوات الأخيرة ذلك الاعتماد إلى نقطة ضعف استراتيجية. وتضم بريكس بعضاً من أكبر المنتجين الزراعيين في العالم، وهذه ليست مصادفة، بل فرصة. فإذا استطاعت مصر أن تتوسط في اتفاقيات موثوقة وطويلة الأجل لتوريد الحبوب داخل التكتل، فإنها تحوّل ضعفاً مزمناً إلى منصة للتعاون. إن الأمن الغذائي، بعبارة أخرى، ليس موضوعاً جانبياً، بل هو حجر زاوية في المرونة التي يحتفي بها شعار القمة.
الحبل الجيوسياسي المشدود
وهناك أيضاً لعبة أكثر هدوءاً وأشد حساسية تُلعب الآن. فلطالما وازنت مصر علاقاتها مع الولايات المتحدة ودول الخليج وأوروبا. والانضمام إلى بريكس لا يمحو تلك الروابط، بل يضيف، إن فعل شيئاً، طبقة من التعقيد. فعلى القاهرة أن تُظهر أنها تستطيع تعميق انخراطها مع موسكو وبكين من دون التخلي عن الشراكات التي تدعم أمنها وتدفقات المساعدات إليها.
وهذا ليس مستحيلاً، بل هو في الواقع الوضع الكلاسيكي لتقليد عدم الانحياز، الذي كانت مصر يوماً صوتاً مؤسساً له. لكن الفارق أن العالم قد تغير. فالمنافسة بين التكتلات أصبحت أكثر حدة، والتدقيق أكثر شدة، وكل بيان يصدر عن القمة يجري تحليله بحثاً عن الاصطفافات. وسيحتاج دبلوماسيو مصر في نيودلهي إلى الدقة والرشاقة والثقة الهادئة.
القصة الإنسانية خلف الأعلام
خلف الأعلام والبيانات الختامية، هناك قصة إنسانية لا تقل أهمية. المهندس الشاب في القاهرة الذي يأمل في استثمارات توفر وظائف. والمزارع في الدلتا الذي يتساءل عما إذا كانت طرق التجارة الجديدة ستعني أسعاراً أفضل لمحصوله. وصاحبة المشروع الصغير التي تحدق في أسعار الصرف وتحلم بنظام نقدي لا يعاقب طموحها. بالنسبة لكل هؤلاء، ليست بريكس مجرد اختصار مجرد، بل وعد بأن يكون النظام العالمي أكثر إنصافاً وتوازناً واستجابة لأصوات مثل أصواتهم. هذا هو الجمهور الذي تقدم مصر له حساباً في نهاية المطاف، وهو ما يرفع سقف كل مفاوضاتها في نيودلهي.
كيف يبدو النجاح؟
إذن كيف ستبدو القمة الناجحة بالنسبة لمصر؟ إنها تعني مغادرة نيودلهي بأكثر من مجرد صورة جماعية. إنها تعني مذكرات تفاهم موقعة، وخطوط استثمار معلنة، والتزامات ملموسة في مجال تيسير التجارة والتعاون في الطاقة. كما تعني أن تتولى مصر قيادة مجموعة عمل أو مبادرة رائدة، لتثبت أنها قادرة على تحمل المسؤولية، لا مجرد تلقي المزايا.
كما أنها ستعني تحولاً في السردية. فبدلاً من وصف مصر بأنها دولة تمر بأزمة، سيتم تأطيرها كدولة تتحرك، ومركز إقليمي، وحلقة وصل، وبانية. وتلك السردية، بمجرد ترسيخها، تتحول إلى نوع من العملة بحد ذاتها. فهي تجذب المستثمرين، وتطمئن الشركاء، وتغير الطريقة التي يحسب بها العالم المخاطر.
ما بعد القمة
القمة في حد ذاتها لا تستغرق سوى أيام قليلة. أما العمل الحقيقي لتحويل العضوية إلى نفوذ فيحدث في الأشهر والسنوات التي تليها، داخل اللجان ومجموعات العمل واللقاءات الثنائية الهادئة، وفي متابعة كل وعد يُقطع تحت شمس نيودلهي. إن مصر تمتلك الأسس: الجغرافيا والديموغرافيا والموقع الاستراتيجي. وما تحتاج إليه الآن هو التنفيذ.
ثمة مقولة شهيرة تقول إن النفوذ لا يُمنح، بل يُؤخذ. وفي نيودلهي، تملك مصر فرصة أن تأخذه، وأن تمتد عبر الطاولة لتنتزع دوراً يليق بإمكاناتها. والسؤال ليس ما إذا كانت مصر تنتمي إلى القاعة، فهي تنتمي إليها بالتأكيد، بل ما إذا كانت ستغادر القاعة وقد تغيرت، وما إذا كان العالم سيغادر القاعة وهو يعلم أن مصر قد وصلت.
لحظة فارقة
قمة بريكس الثامنة عشرة ليست مجرد حدث في روزنامة. إنها نافذة على مستقبل الحوكمة العالمية، وبالنسبة لمصر، هي مرآة. فبوسع البلاد أن تنظر إلى نفسها وتسأل إن كانت مستعدة للقيادة، ومستعدة للتمويل، ومستعدة للتنفيذ، ومستعدة لأن يكون لها حضور يُحسب. فالإجابة التي ستقدمها في نيودلهي سيمتد صداها إلى ما هو أبعد من قاعات القمة بكثير، عبر قناة السويس، وعبر القارة الأفريقية، وإلى أروقة كل عاصمة تراقب هذا التكتل بمزيج من الأمل والحذر.
لقد جاءت مصر إلى بريكس باحثة عن الحضور والتأثير في عالم متعدد الأقطاب. غير أن الحضور ليس بطاقة عضوية، بل هو أداء. والأداء يبدأ الآن.