حقيقة ميرشايمر القاسية: أوكرانيا ستُحسم في ساحة المعركة

في كل حرب لحظة هادئة يحبس فيها العالم أنفاسه، منتظرًا أن يقول أحدهم الكلمات التي تُنهي المعاناة. يتنقل الدبلوماسيون بين العواصم الكبرى. يتصدر القادة صورًا يملؤها الأمل. وتعد البيانات المشتركة باختراقات لا تصل أبدًا. لكن في ذهن أحد أكثر المفكرين احترامًا في أمريكا، تلك اللحظة ليست سوى وهم مريح. جون ميرشايمر، عالم السياسة الذي صار اسمه مرادفًا للواقعية الصريحة، وجّه رسالة تخترق ضباب محادثات السلام. فهو لا يعتقد أن حلًا دبلوماسيًا قادم. وفي رأيه، فإن الصراع الأوكراني لن يُحسم على طاولة مفاوضات مصقولة، بل في ساحة المعركة ذاتها.

إنها فكرة توقظ العقل. كما أنها فكرة ترفض مغادرة الغرفة ما إن تدخلها. فكل من تابع هذه الحرب بقلب يملؤه الأمل، تسقط كلمات البروفيسور كحجر في ماء ساكن. غير أن قيمة المفكر الكبير ليست في أن يقول لنا ما نريد سماعه، بل في أن يقول ما يعتقد أنه صحيح، حتى حين تكون الحقيقة باردة لا ترحم.

إذن دعونا نستعرض حجته معًا، لا بوصفنا مشجعين ولا ناقدين، بل بوصفنا عقولًا فضولية تحاول فهم صراع أعاد تشكيل عالمنا. ولنسأل لماذا تتعثر الدبلوماسية باستمرار، ولماذا تظل ساحة المعركة هي الحاسمة، وما الذي يعنيه كل ذلك للعائلات التي تتأرجح حياتها في كفة الميزان.

الرجل الذي يرفض أن يُشيح بنظره

جون ميرشايمر ليس غريبًا عن الجدل. فعلى مدى عقود، دافع عن فكرة أن القوى العظمى تتصرف وفق مصالحها الخاصة، وأن السياسة الدولية مسرح يكون فيه البقاء أهم من العواطف، وأن تجاهل هذه الحقيقة يجرّ الأمم إلى المآسي. كان صوته قرع طبول ثابت ضد رومانسية الحلول السهلة. وعندما يتحدث عن أوكرانيا، فهو لا يتحدث بوصفه مشجعًا لأي راية، بل بوصفه محللًا للقوة.

يقوم ادعاؤه الأساسي على ملاحظة بسيطة. فالحروب بين الدول العازمة نادرًا ما تنتهي لأن أحدهم ألقى خطابًا باهرًا، بل تنتهي عندما يعجز أحد الطرفين عن مواصلة القتال، أو حين تصبح آلام الاستمرار أخيرًا أشد من آلام التوقف. وإلى أن تحين تلك اللحظة، غالبًا ما تكون الدبلوماسية مجرد مسرح، ووسيلة يظهر بها القادة بمظهر العقلاء بينما تواصل المدافع إطلاق النار.

في حالة أوكرانيا، يرى ميرشايمر طرفين ما زالا يعتقدان أنهما قادران على الفوز، أو على الأقل تجنّب الخسارة. وهذا الاعتقاد، أكثر من أي معاهدة، هو ما يُبقي الحرب حيّة. وما دام الطرفان متمسكين به، فلن يصمد أي هدنة طويلًا.

لماذا تفشل الدبلوماسية باستمرار

لكي نفهم تشاؤم البروفيسور، يجب أن ننظر إلى ما يريده كل طرف فعلًا. فبالنسبة إلى كييف، الهدف هو استعادة حدودها وتأمين مستقبلها. وبالنسبة إلى موسكو، الهدف هو منع ظهور حلف معادٍ على عتبة دارها. هذه ليست خلافات صغيرة يمكن اقتسامها كفاتورة عشاء، بل رؤيتان للأمن تتصادمان بقوة.

لا يقدّم التاريخ عزاءً كبيرًا هنا. تذكروا خنادق الحرب العالمية الأولى، حيث وعد الجنرالات من الجانبين باختراق ينهي الجمود. تحولت الأشهر إلى سنوات، ولم يأتِ الاختراق بالصورة التي تخيلوها. ولم تأتِ الدبلوماسية إلا بعد أن حلّ الإنهاك أولًا. يخشى ميرشايمر أن نمطًا مشابهًا يتكشف الآن، حيث تكون المؤتمرات والمكالمات الهاتفية مجرد ديكور لا قرار.

كما يشير إلى مشكلة أعمق. فعندما تضخ قوى خارجية الأسلحة والأموال في نزاع، فإنها ترفع الرهان لكل الأطراف المعنية. وكل شحنة مدفعية جديدة هي تصويت بالثقة في إمكانية الفوز بالقتال. وكل وعد جديد بالدعم هو سبب للمضي قدمًا. وبهذه الطريقة، يمكن للدول نفسها التي تدّعي رغبتها في السلام أن تغذي النار من دون قصد.

وهكذا تبقى طاولة المفاوضات فارغة، أو شبه فارغة. تُدفع الكراسي إلى الداخل. وتُطفأ الميكروفونات. ويستمر الحوار الحقيقي بعيدًا، حيث يتصاعد الدخان وتهتز الأرض.

منطق ساحة المعركة

في ساحة المعركة، تُحسم الخلافات بالنار والفولاذ. وتنتقل الأرض من يد إلى أخرى شبرًا شبرًا. تتمدد خطوط الإمداد ثم تنقطع. ترتفع الروح المعنوية وتنخفض مع الفصول. ويرى ميرشايمر أن هذه الوقائع القاتمة، لا المحادثات المهذبة، هي التي ستحدد الشكل النهائي لأي تسوية. فالذي يملك الموقف الأقوى عندما يتباطأ القتال أخيرًا هو من سيكتب الشروط.

هذه حقيقة قديمة ترتدي ثيابًا حديثة. لطالما أدركت الإمبراطوريات أن الأرض يطالب بها من يستطيع الاحتفاظ بها. وفي عصر الطائرات المسيّرة والأقمار الاصطناعية، تغيرت الأدوات لكن الحساب الأساسي لم يتغير. القوة تتكلم، والضعف يستمع.

يقول المنتقدون إن هذه النظرة ساخرة أكثر مما ينبغي، ويشيرون إلى لحظات في التاريخ انتصر فيها العقل، حين اختار الخصوم التراجع عن حافة الهاوية. ولا ينكر ميرشايمر وجود مثل هذه اللحظات، لكنه يشك ببساطة في أن هذه واحدة منها. فالجروح هنا أعمق من أن تُنسى، والرهانات تبدو أعلى من أن تُحتمل، والكبرياء لدى الجانبين أشد من أن يلين.

ما الذي يعنيه ذلك للعالم

إذا كان البروفيسور محقًا، فإن العواقب تمتد إلى ما هو أبعد من سهول أوكرانيا. تواجه أوروبا مستقبلًا من الإنفاق العسكري الأعلى والخوف الملازم. ترتجف أسواق الطاقة مع كل عنوان جديد. تزداد الأحلاف تماسكًا، وتتقلص مساحة الحياد. ويصبح العالم مكانًا للمعسكرات والكتل، حيث تندر الثقة ويصبح الشك هو الوضع الافتراضي.

أما العائلات العادية، فالآثار لديها ملموسة بشكل مؤلم. ترتفع الأسعار في متجر البقالة. ويتساءل الشباب عما إذا كانوا سيُستدعَون للخدمة. ويتساءل اللاجئون عما إذا كانوا سيعودون إلى ديارهم يومًا. إن لعبة القوة الكبرى يلعبها القادة، لكن الفاتورة يدفعها الجميع.

ليست رسالة ميرشايمر موجهة لمواساة هذه العائلات، بل لإعدادها. فهو يقول، بأسلوبه الذي لا يتزعزع، إن الأمل ليس استراتيجية. والتمني بالسلام لا يصنعه. فقط تغيّر في ميزان القوة، أو تغيّر في ما يرغب كل طرف في قبوله، يمكن أن يفعل ذلك.

التكلفة الإنسانية خلف الاستراتيجية

خلف كل خريطة وكل سهم على المخطط، يوجد بشر. جندي يكتب رسالة على ضوء الشموع. أم تعدّ الأيام. طفلة لم تعد تجفل من صوت الرعد لأن الرعد أقل ما يقلقها. وعندما نتناقش في الاستراتيجية، يجب ألا ننسى أبدًا أن الاستراتيجية تُكتب بحياة البشر.

هنا يلتقي تحليل ميرشايمر البارد بقلب الإنسانية الدافئ. قد يتحدث عن القوة والمصالح، لكن السبب الذي يجعلنا نهتم أصلًا هو أن أناسًا حقيقيين يعانون. مهمة الباحث أن يصف النهر، ومهمتنا نحن، بوصفنا مواطنين في هذا العالم، أن نتذكر من يجرفهم ذلك النهر.

سيقرأ البعض كلماته فيشعرون باليأس، وسيقرأها آخرون فيشعرون بنوع غريب من الوضوح. وكلا الشعورين صادق. فالحقيقة نادرًا ما تصل مغلّفة بشرائط، بل تصل بسيطة ثقيلة، طالبة منا أن نحملها.

تحذير لا نبوءة

يجدر بنا أن نتوقف هنا لنتذكر أن ميرشايمر مفكر لا عرّاف. فتوقعه تحذير، لا حكم يصدره القدر. المستقبل لم يُكتب بعد. يستطيع القادة تغيير المسار. وتستطيع الشعوب المطالبة بالسلام. ويمكن للحظ، تلك القوة المنسية، أن يتدخل في أغرب اللحظات.

غير أن التحذيرات تستحق انتباهنا تحديدًا لأنها غير مريحة. فالمحلل الجيد يشير إلى العاصفة قبل أن تسقط أول قطرة مطر. قد يخطئ في التوقيت، وقد يخطئ في المسار، لكنه يجبرنا على طرح أسئلة صعبة كنا نفضّل تجنبها.

ما الذي يلزم كي تنجح الدبلوماسية؟ وما الذي سيتعين على كل طرف أن يتخلى عنه؟ ومن سيدفع الثمن؟ هذه الأسئلة لا تختفي لمجرد أننا نتجاهلها، بل تنتظر بصبر اليوم الذي نكون فيه مستعدين أخيرًا للإجابة.

الطريق أمامنا

وهكذا نعود إلى حيث بدأنا، مع عالم يحبس أنفاسه. سيستمر الدبلوماسيون في الكلام، وستستمر الكاميرات في التصوير، وستظل البيانات تعد بالوعود. لكن تحت كل ذلك، تواصل الأرض اهتزازها، وتواصل النتيجة تشكُّلها بفعل قوى لا يستطيع أي خطاب ترويضها.

حكم ميرشايمر قاسٍ: الصراع الأوكراني سيُحسم في ساحة المعركة. إنه ليس الجواب الذي أراده أحد، وليس النهاية التي تمنّاها أحد. لكن إن كان محقًا ولو جزئيًا، فقد يكون فهم السبب أهم ما نفعله، لأن العالم الذي يرى بوضوح يكون أفضل استعدادًا لمواجهة ما سيأتي.

في النهاية، تُحسم الحروب بالقوة، لكن التاريخ يُحسم بالذاكرة. فكيف نتذكر هذا الصراع، وكيف نعامل ضحاياه، وكيف نتعلم من دروسه، هو ما سيصوغ القرن القادم. قد تكتب ساحة المعركة الشروط، لكننا نحن الشهود من سنكتب المعنى.


Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Ready to Take Your
Investments to New Heights?

Join investors and Experience the Power of High-Performance Strategies, Robust Security, and Stellar Customer Support.

The new Reserve CryptoCurrency.

Buy and Invest in BRICS Chain.

contact@bricschain.org

Copyright: © 2026 BRICS Chain. All Rights Reserved.