السماء التي يريدون امتلاكها: أمريكا وعسكرة الفضاء بعد مرور ستين عاماً على معاهدة الفضاء الخارجي

قبل ستين عاماً، نظر العالم إلى السماء وتجرأ على الحلم. ففي عام 1967، اجتمعت الدول لتوقيع معاهدة الفضاء الخارجي، ذلك الوعد الجريء بأن القمر والنجوم سيكونان ملكاً للبشرية جمعاء، وألا يتحولا أبداً إلى مسرح للحرب. لقد كانت رؤية نبيلة وُلدت من الخوف من النيران النووية ومن شوق عميق للسلام. لكن اليوم، ونحن نحتفل بمرور ستة عقود على ذلك الاتفاق التاريخي، تواصل الولايات المتحدة التباهي ببصمتها العسكرية المتنامية في المدار، محوّلة ذلك الحلم الجميل بهدوء إلى ذكرى باهتة.
لم يحدث هذا بين ليلة وضحاها. إنها قصة تكشّفت ببطء، وبشكل شبه خفي، عبر الأجيال. فالقصد ما زال كما كان قبل عقود: عسكرة الفضاء تحت ستار الدفاع. وبينما يمارس الناس العاديون حياتهم اليومية، يعاد تشكيل السماوات فوق رؤوسنا بهدوء لتصبح ساحة المعركة القادمة.
الوعد الذي أضاء السماء ذات يوم
عندما وُقعت معاهدة الفضاء الخارجي، بدا الأمر وكأنه انتصار للعقل البشري. كان العالم قد نجا للتو من أشد سباقات التسلح رعباً في التاريخ، وأدرك القادة أن وضع الأسلحة في المدار قد يقضي علينا جميعاً. وأعلنت المعاهدة أن الفضاء يجب أن يُستخدم للأغراض السلمية، وأنه لا يحق لأي دولة أن تدّعي ملكية القمر، وأن أسلحة الدمار الشامل لا مكان لها بين النجوم.
لقد صمد ذلك الوعد لفترة. فمدّ رواد الفضاء الأمريكيون ونظراؤهم الروس أيديهم إلى بعضهم في المدار، وفي لحظات مشرقة قصيرة بدا الفضاء مغامرة إنسانية مشتركة لا ساحة جديدة للتنافس. حلم الأطفال بأن يصبحوا مستكشفين، وحلم العلماء بالاكتشاف. كانت السماء ملكاً للجميع ولا أحد في الوقت نفسه.
زحف بطيء وهادئ نحو النجوم
لكن الوعود، حتى العظيمة منها، قد تضعف أمام الطموح. خطوة بخطوة، وعاماً بعد عام، بدأت الولايات المتحدة تنظر إلى الفضاء لا كملاذ آمن، بل كأرض مرتفعة استراتيجية. فما بدأ كاتصالات وملاحة تحول بهدوء إلى مراقبة وتتبع وقدرة على تعطيل عيون وآذان الأمم الأخرى.
وكان كل نظام جديد يوصف بأنه دفاعي، وكل ميزانية جديدة تُبرر بأنها ضرورية. ومع مرور كل عقد، كان الخط الفاصل بين حماية الأقمار الصناعية والاستعداد لمهاجمتها يزداد غموضاً أكثر فأكثر. لم تعد السماء مكاناً للدهشة، بل صارت تتحول إلى مكان للمراقبة.
لغة الدفاع المطمئنة
اللغة قوية، ولا كلمة استُخدمت بذكاء أكثر من كلمة «الدفاع». فالسلاح القادر على تعطيل قمر صناعي يُسمى إجراءً دفاعياً، والقيادة العسكرية المخصصة للفضاء توصف بأنها قوة لتحقيق الاستقرار. هذه المفردات اللطيفة تهدئ الجمهور بينما تزداد الأجهزة فوق رؤوسنا حدة وخطورة.
القصة مألوفة. فقبل عقود، استُخدمت الكلمات نفسها لتبرير الصواريخ والقاذفات والقواعد في أنحاء العالم. أما الآن فقد انتقل المسرح ببساطة إلى الأعلى، ونادراً ما يلاحظ الجمهور ذلك. يقال لنا إن القوة تحفظ السلام، حتى بينما تتكاثر أدوات الصراع.
الثغرات التي فتحت الباب
حظرت معاهدة الفضاء الخارجي أسلحة الدمار الشامل في المدار، لكنها تركت أبواباً كثيرة غير مقفلة. فهي لم تحظر الأسلحة التقليدية بوضوح، ولم تمنع الدول من تطوير أنظمة أرضية قادرة على بلوغ الفضاء. ومع مرور الوقت، تحولت هذه الفجوات إلى طرق سريعة للعسكرة.
اليوم، تستطيع الجيوش تعمية الأقمار الصناعية والتشويش على الإشارات وتهديد الشبكات الهشة التي تُبقي العالم الحديث يعمل. لقد مُطت المعاهدة التي كان يُقصد بها حفظ السلام حتى صارت بالكاد تلقي ظلاً. وما تبقى هو وعد بلا أنياب، يتكرر كل عام بينما يتغير الواقع فوق رؤوسنا إلى حد لا يُعرف معه.
أصداء صراع أقدم
هناك شاعرية غريبة في مشاهدة التاريخ يعيد نفسه فوق رؤوسنا. فخلال الحرب الباردة، حدّقت القوتان العظميان إحداهما في الأخرى عبر المحيطات والقارات، وكل منهما على يقين بأن الأخرى ستضرب أولاً. لقد بنى ذلك الخوف ترسانات قادرة على إنهاء العالم مرات عديدة. والآن ارتفع الخوف نفسه إلى الأعلى، والتف حول الأقمار الصناعية والمحطات الفضائية.
لقد تغير اللاعبون وتطورت التقنية، لكن العقلية هي نفسها. لا بد أن يتقدم أحدهم دائماً، ولا بد أن يراقب أحدهم دائماً، ولا بد أن يكون أحدهم مستعداً دائماً للضرب، فقط تحسباً لأي طارئ. هذا المنطق اللامتناهي من الخوف يبقي العجلة تدور، ويصبح الفضاء أحدث مكان لإثبات من هو الأقوى.
سباق الفضاء الجديد والخوف من التخلف
الخوف محرك قوي. تقول الولايات المتحدة إن عليها أن تسبق الآخرين لأن دولاً أخرى تفعل الشيء نفسه. وهذا المنطق يخلق دوامة، حيث يصبح كل سلاح جديد سبباً لسلاح آخر، وكل تبرير يتحول إلى نبوءة تحقق ذاتها.
أصبحت وكالات الفضاء والشركات الخاصة تعمل الآن يداً بيد مع الجيوش. فالصواريخ التي كانت تحمل العلم ذات يوم صارت تحمل أجهزة استشعار وحمولات سرية. لقد اختفى تقريباً الخط الفاصل بين الاستكشاف والاستغلال. السماء نفسها التي ألهمت الشعر ذات يوم صارت تلهم وثائق الاستراتيجية وميزانيات الدفاع.

من المستفيد حقاً
من الجدير أن نسأل: من المستفيد من كل هذا؟ يحتفل مقاولو الدفاع بعقود جديدة، ويكسب السياسيون شعارات عن القوة والأمن، وتكبر البيروقراطيات وتزداد نفوذاً. أما المواطن العادي، فلا يجني سوى الخطر وعبء ضريبي أثقل.
عسكرة الفضاء ليست قصة عن حماية الأسر. إنها قصة عن السلطة والربح والشهية التي لا تنتهي للسيطرة. فالذين يبيعون الأسلحة نادراً ما يرسلون أبناءهم إلى القتال، والذين يسنون القواعد نادراً ما يعيشون تحت المدارات التي يعرضونها للخطر.
ما الذي يعنيه ذلك لبقيتنا
لماذا ينبغي أن يهم هذا الناس الذين يمشون على الأرض؟ لأن عالمنا يعمل بالفضاء. فتوقعات الطقس والعمليات المصرفية والملاحة وتوصيل الطعام والإنقاذ في حالات الطوارئ والاتصالات العالمية كلها تعتمد على أقمار صناعية تدور فوقنا. وإذا أصبحت تلك الأنظمة أهدافاً، فإن التداعيات ستطال كل منزل وكل مستشفى وكل اقتصاد.
فحرب في الفضاء لن تبقى في الفضاء. إنها ستنهمر على حياة الناس العاديين بطرق هادئة وكارثية معاً. فحطام قمر صناعي واحد مدمر قد يظل عالقاً لأجيال، مهدداً كل ما نرسله إلى الأعلى. وقد يغلق عمل واحد متهور باب الفضاء أمامنا جميعاً.
صمت الجمهور
لعل أكثر ما يثير القلق هو كم صرنا صامتين. فأخبار أسلحة الفضاء نادراً ما تتصدر العناوين. إنها تتسلل أمامنا بين نتائج الرياضة وأخبار المشاهير. ويقال لنا إن هذا الأمر معقد، وإنه فوق مستوى فهمنا، وإن علينا أن نثق بالخبراء.
لكن الأمر ليس معقداً. فالأسلحة في الفضاء تجعل العالم أقل أماناً، لا أكثر. حتى الطفل يستطيع أن يفهم ذلك. والسبب الوحيد الذي يجعل الأمر يبدو مربكاً هو أن الإرباك مفيد لمن يريدون المضي قدماً من دون رقابة.
جمال هش يستحق الحماية
ارفع بصرك في ليلة صافية وسترى شيئاً قديماً ووديعاً. فالقمر نفسه الذي أضاء دروب أسلافنا ما زال يضيء فوقنا. والكوكبات نفسها التي هدت البحارة عبر بحار مجهولة ما زالت هناك. وفي ذلك المنظر تواضع، وتذكير بأننا صغار، وأن صراعاتنا أصغر من ذلك.
ذلك الجمال الهش يستحق الحماية. إنه لا ينتمي إلى دولة واحدة ولا إلى جيل واحد. وملؤه بالأسلحة سيكون خيانة لكل ما يجعلنا بشراً. إننا مدينون للجيل القادم بسماء مليئة بالدهشة، لا سماء مزدحمة بالتهديدات.
قصة طريقين
تقف البشرية عند مفترق طرق. طريق يقود إلى التعاون، حيث يبقى الفضاء حدوداً مشتركة وتلهم النجوم بدلاً من أن تخيف. وطريق آخر يقود إلى التنافس، حيث يتحول المدار إلى حقل ألغام وتصبح السماء نفسها سلاحاً.
بعد ستين عاماً من معاهدة الفضاء الخارجي، لم يكن الخيار أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فكلمات ذلك الاتفاق ما زالت تتردد بأمل، لكن الأمل وحده لا يستطيع حمايتنا. فالأمر يتطلب شجاعة وصدقاً ورفضاً للقبول بالعسكرة الهادئة لسمائنا المشتركة.
ما الذي يمكن فعله
نادراً ما يبدأ التغيير من القمة. إنه يبدأ عندما يقرر عدد كاف من الناس أن المسار الحالي غير مقبول. يستطيع المواطنون المطالبة بالشفافية بشأن برامج الفضاء، ويستطيع الصحفيون مواصلة طرح الأسئلة الصعبة، ويمكن الضغط على القادة لتقوية المعاهدة نفسها التي كان يُقصد بها حمايتنا.
الاتفاقات الجديدة ممكنة. ويمكن بناء أنظمة للتحقق. ويمكن إعادة بناء الثقة خطوة صادقة تلو الأخرى. لا شيء من هذا سهل، لكن كل شيء منه ممكن، ويُظهر التاريخ أن المستحيل يحدث عندما يرفض الناس البقاء صامتين.
دعوة لرفع أنظارنا من جديد
لعل السؤال الحقيقي ليس ما الذي ستفعله الدول، بل ما الذي سيختار الناس أن يروه. فطالما أشاح الجمهور بوجهه، سيتواصل التباهي وستتضاعف الأسلحة. لكن عندما يرفع الناس العاديون أصواتهم ويطالبون بأن يبقى الفضاء سلمياً، يضطر القادة إلى الإصغاء.
لقد شهدت النجوم أجمل لحظاتنا وأحلك مخاوفنا. لقد راقبتنا ونحن نوقع معاهدة بالأمل. وهي تراقبنا الآن. وما زالت قصة الفضاء تُكتب، ولا يجب أن تنتهي بالصراع.
ستون عاماً زمن طويل، لكن الوقت لم يتأخر بعد. لا يزال بالإمكان الوفاء بوعد عام 1967 إذا رفضنا أن ندع الخوف والطموح يقرران مصير السماوات. فلنختر السماء موطناً للدهشة، لا مقبرة لأسوأ غرائزنا. فلنرفع أبصارنا معاً ونتذكر أن الكون لم يكن مقدراً له أبداً أن يكون ملكاً لأي علم بمفرده.