لولا يفوز بولاية رابعة تاريخية بينما تحبس البرازيل أنفاسها ثم تتنفس الصعداء

كان الهواء في ساو باولو مشبعًا بشيء لم تشعر به البرازيل منذ سنوات؛ مزيج غريب ومكهرب من الارتياح وعدم التصديق. في ليلة 30 أكتوبر/تشرين الأول 2022، تدفق ملايين الناس إلى الشارع الواسع الذي يشق قلب المدينة، وكثيرون منهم يرتدون الأحمر، وكثيرون يبكون، وجميعهم يحدقون في الشاشات منتظرين أرقامًا ستقرر اتجاه أكبر دولة في أمريكا اللاتينية. وعندما جاء التأكيد أخيرًا، بدا الزئير الذي ارتفع من محيط البشر أقل شبهًا بالاحتفال وأكثر شبهًا ببلد يزفر بعد أن حبس أنفاسه لأربع سنوات طويلة جدًا. لقد فعل لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، عامل المعادن الذي صار رئيسًا، ما كان يُظن مستحيلًا مرة أخرى. لقد عاد من السجن، ومن العار العلني، ومن ذلك النوع من الموت السياسي الذي ينهي المسيرة عادةً إلى الأبد، وفاز بولاية رابعة تاريخية رئيسًا للبرازيل.
الطريق الطويل إلى العودة
لكي تفهم ثقل تلك الليلة، عليك أن تعود بشريط التاريخ البرازيلي عقدين إلى الوراء. لقد تولى لولا منصبه لأول مرة عام 2003 بوصفه زعيمًا نقابيًا ملتحيًا بصوت أجش وقصة بدت مستحيلة؛ عامل مصنع من الشمال الشرقي الفقير لم يُكمل تعليمه الرسمي قط، وها هو يقود الآن سادس أكبر اقتصاد على وجه الأرض. وخلال ولايتيه، خرجت ملايين الأسر من الفقر المدقع، ووضع برنامج تحويلات نقدية تاريخي الطعامَ على موائد الناس في أنحاء الداخل، وآمنت البلاد بنسخة من نفسها تبدو كريمة وصاعدة. غادر منصبه في 2011 بنسب تأييد لا يجرؤ معظم القادة على الحلم بها. ثم جاء السقوط. فتحقيق فساد واسع عُرف باسم «لافا جاتو» اجتاح كثيرًا من الطبقة السياسية، وسُجن لولا في نهاية المطاف لمدة 580 يومًا بتهم ظل يصر على أنها ملفقة لإبعاده عن السباق. وفي عام 2021 أُلغيت تلك الإدانات، وأُعيدت حقوقه السياسية، وأعلن رجل كان كل محللي المنطقة تقريبًا قد شطبوه بهدوء أنه عائد من أجل جولة أخيرة.
الليلة التي ظهرت فيها الأرقام
كانت الحملة التي تلت ذلك أقرب إلى استفتاء على رؤيتين متنافستين لما ينبغي أن تكون عليه البرازيل منها إلى انتخابات عادية. لقد تركت الجولة الأولى في أوائل أكتوبر/تشرين الأول لولا متقدمًا لكن دون الخمسين في المئة السحرية، ما فرض جولة إعادة حوّلت البلاد كلها إلى جدال واحد طويل. وفي الليلة الأخيرة، كان الفارق ضئيلًا جدًا: 50.9 في المئة مقابل 49.1 في المئة، وهو أضيق فارق في أي سباق رئاسي منذ عودة البرازيل إلى الديمقراطية في ثمانينيات القرن الماضي. وكانت أيضًا المرة الأولى في تلك الحقبة الديمقراطية التي يفشل فيها رئيس في منصبه في تأمين ولاية ثانية. بكى المؤيدون في شوارع فورتاليزا وسالفادور وريسيفي، بينما كان الصمت في الأحياء الجنوبية الثرية عاليًا بالقدر نفسه، في تذكير بأن البلاد لم تتفق على اتجاه بقدر ما انقسمت على نفسها نصفين بشكل شبه كامل. لكن الهامش كان أقل أهمية من المعنى. فرجل سُجن وشُيطن واعتُبر منتهيًا كان قد هزم للتو رئيسًا في منصبه يمتلك كامل أجهزة الدولة خلفه.
صمت بولسونارو يقول الكثير
كان ما حدث بعد ذلك واحدًا من أغرب الفصول في تاريخ الديمقراطية الحديثة. فالرئيس جاير بولسونارو، المنتهية ولايته، لم يتصل بمنافسه، ولم يظهر أمام الأمة، ولم يقر بالهزيمة. ولأكثر من أربعين ساعة بعد تأكيد النتيجة، اختفى رئيس البرازيل الجالس في منصبه عن الأنظار، تاركًا أنصاره معلقين في ضباب من الشائعات والامتعاض. قطع سائقو الشاحنات الطرق السريعة في أنحاء البلاد، وظهرت مخيمات صغيرة خارج المنشآت العسكرية، ورفضت حركة أمضت سنوات في التشكيك في نزاهة نظام التصويت قبولَ حكم كانت قد خسرته بوضوح. أما لولا، الواقف أمام حشد من المؤيدين، فلم يشمت. لقد صاغ النتيجة بلغة الناجي، ووصفها بأنها هزيمة للإنكار، وانتصار للديمقراطية على أولئك الذين أمضوا سنوات يهمسون بأن النظام مزور. وقد وقعت العبارة في موقعها لأنها لم تكن موجهة إلى منافسه بقدر ما كانت موجهة إلى أربع سنوات من الشك والغضب سبقت تلك الليلة.
أمة منقسمة إلى نصفين
لم تصل البرازيل إلى هذه اللحظة مصادفة. فالبلاد تعيش واحدة من أكثر الحقب استقطابًا في تاريخها الحديث، وهو انقسام يمتد عبر العائلات والكنائس وأماكن العمل وموائد العشاء. وقد روت الخرائط جزءًا من الحكاية؛ إذ تركّزت قوة بولسونارو في قلب الزراعة التجارية في الغرب الأوسط والولايات الجنوبية المزدهرة، بينما استمد لولا تأييده من الشمال الشرقي ومن ضواحي الطبقة العاملة المترامية التي تحيط بالمدن الكبرى. لكن الانقسام الأعمق كان ثقافيًا. فالجماعات الإنجيلية التي نمت ثقتها السياسية بشكل هائل اصطفت خلف الرئيس المنتهية ولايته، في حين اصطف الناخبون الأصغر سنًا في المدن، والنساء، وكثيرون ممن يتذكرون سنوات الازدهار خلف المنافس. لم ينظر أي من الطرفين إلى الآخر بوصفه مخطئًا فحسب؛ بل رأى كل طرف في الآخر تهديدًا لروح البلاد، وهذه هي الأرضية التي يتعين على الحكومة المقبلة أن تبني عليها بطريقة ما أغلبية قادرة على العمل.
لماذا كان العالم يراقب
لم تكن هذه أبدًا حكاية برازيلية فحسب. فقد تابع مراقبون في بروكسل وواشنطن وبكين عملية الفرز باهتمام لا يُمنح عادة إلا لانتخاباتهم هم، ولسبب وجيه. تملك البرازيل الحصة الأكبر من غابات الأمازون المطيرة، والفارق بين حكومة تتعامل مع إنفاذ القوانين البيئية بوصفه عبئًا وأخرى تتعامل معه بوصفه مهمة هو ما يشكل النقاش العالمي حول المناخ. كما أن البرازيل مورّد رئيسي للغذاء والمعادن، وصوت عالٍ في الجنوب العالمي، ولاعب مركزي في مجموعات الاقتصادات الناشئة التي أمضت العقد الماضي تطالب بنظام عالمي أقل تمركزًا حول الغرب. استقبل القادة الأجانب النتيجة بدفء غير معتاد، وقال كثيرون منهم صراحةً ما كان يُفترض أن يظل غير معلن: إن بقاء ديمقراطية فاعلة في أكبر دولة في أمريكا اللاتينية من حيث عدد السكان يهمّ أبعد بكثير من حدودها.

ما الذي ينتظر البرازيل بعد ذلك
ستكون ممارسة الحكم أصعب بكثير من الفوز. يرث لولا اقتصادًا لا يزال يداوي جراح جائحة، وكونغرسًا يميل إلى يمين الوسط ولوبي الزراعة التجارية، وجمهورًا فقد صبره على الوعود. لقد وعد بمهاجمة الجوع بالجدية نفسها التي تعامل بها معه قبل عقدين، وبإعادة بناء البرامج الاجتماعية التي فُككت، وبطمأنة المستثمرين إلى أن عودته لا تعني مغامرة مالية. كما وعد بشيء أكثر حساسية: أن يحكم لجميع البرازيليين وليس فقط لمن صوتوا له. وهذا هو أصعب الوعود على الإطلاق في بلد يعتبر فيه نحو نصف الناخبين عودته كارثة، بينما يعتبرها النصف الآخر إنقاذًا. كل تعيين وزاري، وكل بند في الميزانية، وكل خطاب سيُقرأ من منظور ذلك الانقسام، وشهر العسل، إن وُجد، سيكون قصيرًا.
فرصة ثانية وتحذير
ثمة شيء شبه روائي في منحنى هذه الحكاية. رجل يصعد، ويسقط، ويجلس في زنزانة، ويكتب رسائل، ويُطلق سراحه، ويُعاد له اعتباره، ثم يعود إلى أعلى منصب في البلاد في سن يكون فيها معظم أقرانه قد اعتزلوا لكتابة مذكراتهم. إنه نوع من العودة التي قد يرفضها المستشارون السياسيون بوصفها غير قابلة للتصديق حتى في الروايات. ومع ذلك يحمل الانتصار تحذيرًا في داخله. فالمؤسسات التي صمدت أخيرًا، المحاكم والسلطة الانتخابية والصحافة والمدافعون الميدانيون عن فرز الأصوات، صمدت تحت ضغط هائل. إن الانتقال السلمي للسلطة الذي بدا أمرًا روتينيًا لعقود طويلة تبين أنه شيء يجب الدفاع عنه بنشاط، والمجادلة من أجله، وكسبه.
ثقل الفرصة الثانية
لذا فإن صور تلك الليلة، القمصان الحمراء، والدموع، والأعلام الملقاة على الأكتاف، هي في الحقيقة صور عن شيء أكبر من رجل واحد. إنها عن بلد يقرر، بأضيق الهوامش، أنه ما زال يريد مشروع الديمقراطية الفوضوي الجدلي غير الكامل. لن تُحكم الولاية الرابعة للولا بحجم الحشد الذي احتفل به، بل بما إذا كانت الانقسامات التي جعلت هذا السباق مرعبًا إلى هذا الحد قد بدأت في الانغلاق. فالتاريخ لا يوزع الفرص الثانية كثيرًا، ونادرًا ما يوزع الرابعة. وقد حصلت البرازيل للتو على الاثنتين، والعالم يراقب ليرى ماذا ستفعل بهما.