حلم أوروبا بالاستقلال الفضائي: هل تستطيع حقًا الخروج من ظل الولايات المتحدة؟

في أمسية خريفية باردة في تولوز، يقف فريق من المهندسين في صمت بينما يزأر محرك صاروخي بالحياة على منصة اختبار بعيدة. طوال عقود كان ذلك الزئير هو الموسيقى التصويرية لمغامرة غربية مشتركة، شراكة حاكتها المعاهدات والأقمار الصناعية وسماء مشتركة. لكن شيئًا ما تغيّر في الأجواء. فالهتافات أصبحت أكثر خفوتًا، والنظرات أطول، والسؤال المعلّق فوق غرفة التحكم لم يعد يتعلق بالوصول إلى المدار. بل أصبح يتعلق بالوصول إلى الاستقلال.
تدفع أوروبا نحو مزيد من الاستقلالية في الفضاء الخارجي في وقت تعيد فيه التوترات مع الولايات المتحدة تشكيل العلاقات عبر الأطلسي. فالحلم جريء والرهانات هائلة. غير أن ارتفاع تكاليف الطاقة ونقاط الضعف الصناعية يعقّدان هذا الطموح، وقد يكمن الجواب في التنويع الاستراتيجي وإقامة شراكات تتجاوز منظومة التحالف الغربي.
هذه قصة قارة بنت وكالة الفضاء الخاصة بها، وأطلقت منافسًا لمنظومة الملاحة الأمريكية، وتتساءل الآن إن كان بوسعها فعلًا أن تسير في طريقها الخاص بين النجوم.
حلم كُتب بضوء النجوم
طوال نصف قرن، تحركت أوروبا والولايات المتحدة عبر الفضاء بوصفهما شريكين. بنيا معًا محطة الفضاء الدولية، وتشاركتا بيانات أقمار الطقس، وشاهدتا رواد الفضاء لدى كل منهما يطفون عبر الوحدات نفسها. بدت تلك الشراكة دائمة، شبه طبيعية، مثل الجاذبية ذاتها.
ثم انحرفت السياسة. بدأت النزاعات التجارية والخلافات الدفاعية والتحالفات المتغيرة في عالم مضطرب تفرّق بين القارتين. خلّف كل خلاف شرخًا صغيرًا، وببطء شكّلت تلك الشروخ خريطة من الشك. وبدأ المخططون الأوروبيون يطرحون أسئلة مزعجة. ماذا يحدث إذا تباطأ تدفق التكنولوجيا الأمريكية؟ ماذا يحدث إذا تضيّق بهدوء الوصول إلى منصات الإطلاق، أو إلى الإشارات المشفرة، أو إلى المعلومات المدارية؟
من تلك الأسئلة نشأت قناعة جديدة: على أوروبا أن تمتلك مفاتيحها الخاصة إلى السماء.
الدفع نحو السيادة الفضائية
السيادة كلمة ثقيلة، وفي الفضاء تحمل ثمنًا أثقل. فأوروبا تتباهى أصلًا بإنجازات لافتة؛ فمنظومة غاليليو توفر ملاحة دقيقة مستقلة عن الأنظمة الأجنبية، وبرنامج كوبرنيكوس يراقب الكوكب بجيش من العيون، وصواريخها الإطلاقية حملت يومًا طموحات القارة إلى السماء بفخر.
لكن الفخر ليس كالمرونة. فالاختبار الحقيقي هو ما إذا كانت أوروبا قادرة على تصميم بنيتها التحتية الفضائية الأساسية وبنائها وإطلاقها وتشغيلها من دون الاعتماد على قرارات تُتخذ في واشنطن. ويعني ذلك شبكات اتصال آمنة بمنأى عن التدخل الخارجي، وإنذارًا مبكرًا مستقلًا بإطلاق الصواريخ والتهديدات المدارية، وسلسلة إمداد لا تنقطع لحظة اندلاع نزاع جمركي بعيد أو خلاف دبلوماسي.
كل هدف من تلك الأهداف يصطدم بحقيقة قاسية: الاستقلالية تكلف مالًا، والمال في أوروبا موزع بشكل غير متساوٍ وتتولى حراسته بعناية سبع وعشرون عاصمة وطنية.
لهذا الطموح اسم في بروكسل؛ إذ يسميه المسؤولون الاستقلالية الاستراتيجية. ويعني عمليًا أن أوروبا تريد تقليل اللحظات التي يتعين عليها فيها أن تطلب الإذن. فكل قدرة مستقلة هي إعلان صغير بأن القارة تعتزم صياغة مصيرها بنفسها، لا مجرد التفاعل مع قرارات الآخرين.
الحقيقة الباردة لارتفاع تكاليف الطاقة
لا أحد يحب الاعتراف بذلك، لكن بناء صناعة فضائية يبدأ من الأرض، وعلى الأرض تعد أوروبا مكلفة. فقد ارتفعت أسعار الطاقة في معظم أنحاء القارة بشكل حاد في السنوات الأخيرة، مدفوعة بالصدمات الجيوسياسية وانتقال مؤلم بعيدًا عن الوقود المستورد الرخيص. وبالنسبة للصناعات الثقيلة والمصانع التي تصوغ أجزاء الصواريخ، فإن تلك التكلفة ساحقة.
إن إنتاج المواد المتقدمة واختبار المحركات وتكرير الوقود وتشغيل مراكز البيانات التي تعالج صور الأقمار الصناعية تتطلب كلها كميات هائلة من الكهرباء. وعندما تكون الطاقة باهظة، يصبح كل مكوّن باهظًا، ويصبح تبرير كل عملية إطلاق أصعب أمام منافسين أرخص في الخارج.
تستفيد الشركات الأمريكية من فواتير طاقة أقل ورؤوس أموال خاصة ضخمة. أما الشركات الأوروبية فعليها أن تقاتل في مرتفع بميزانيات أضيق. والفجوة ليست مستحيلة الرأب، لكن تجاهلها سيكون ضربًا من الخيال. فلا يمكن لقارة أن تعد بالاستقلال بينما يكافح قلبها الصناعي لإبقاء الأنوار مضاءة بسعر يضحك منه منافسوها.
تستجيب بعض الحكومات الأوروبية لذلك؛ إذ تضخ الأموال في الطاقة المتجددة والطاقة النووية وبرامج الكفاءة الرامية إلى حماية الصناعة من تقلبات الأسواق. لكن هذه الجهود تحتاج سنوات حتى تنضج، وبرامج الفضاء لا تستطيع الانتظار. فالساعة تدق دائمًا، والسماء لا تتوقف من أجل نقاشات السياسات.
نقاط ضعف خفية تحت السطح
إذا أمعنت النظر في طموحات أوروبا الفضائية، تظهر الشقوق. فالمكونات الحرجة غالبًا ما تأتي من موردين بعيدين خارج حدود أوروبا. إذ تقطع المواد الأرضية النادرة وأشباه الموصلات المتقدمة والمستشعرات المتخصصة طرقًا طويلة وهشة. وأي اضطراب واحد، سواء بفعل حرب أو عقوبات أو حريق في مصنع، قد يترك أثرًا متموجًا في برنامج بأكمله.
هناك أيضًا مشكلة الحجم. فأوروبا تملك مواهب وفيرة، لكن قطاعها الفضائي ما يزال مجزأً؛ إذ تتنافس الشركات الوطنية البطلة على العقود نفسها، وتتدفق التمويلات عبر قنوات منفصلة. فبدلًا من أوركسترا واحدة قوية، هناك عازفون منفردون كثيرون يعزفون في آنٍ واحد.
قارة لا تستطيع التحدث بصوت واحد في المدار ستكافح كي يُسمع صوتها على الأرض.
إن التجزئة تبطئ القرارات وتضاعف التكاليف وتضعف القدرة التفاوضية، كما تجعل أوروبا عرضة للضغوط. فعندما تعتمد على الآخرين في قدرة الإطلاق أو التشفير أو استخبارات ساحة المعركة، يصبح استقلالك موجودًا في معظمه على الورق.
أما مشكلة المواهب فهي أكثر خفاءً لكنها لا تقل واقعية. فتدرب أوروبا مهندسين لامعين، ثم تشاهد بعضهم يرحل إلى مختبرات أفضل تمويلًا في الخارج. إن إبقاء العقول الماهرة في الداخل يتطلب مهامًا مثيرة ومسارات مهنية مستقرة، لا مجرد خطب وطنية.
تنويع استراتيجي يتجاوز التحالف الغربي
هنا تنعطف الحكاية. فإذا كانت أوروبا لا تستطيع الإفلات كليًا من اعتمادها على الولايات المتحدة، فربما لا يتعين عليها ذلك. قد يكمن الجواب في التنويع الاستراتيجي، وفي بناء شبكة أوسع من الشراكات توزّع المخاطر وتضاعف الخيارات.
فكّر في الأمر كما لو كان محفظة استثمارية؛ فلا مستثمر حكيم يضع كل يورو في سهم واحد، ولا قارة حكيمة ينبغي أن تضع كل قمر صناعي وكل عملية إطلاق وكل بايت من البيانات في تحالف واحد. إن التنويع يعني تنمية علاقات عبر العالم، مع قوى فضائية صاعدة ودول غنية بالموارد تتقاسم مع أوروبا مصلحة في وصول مستقر ومفتوح إلى المدار.
يقدم التاريخ درسًا هنا؛ فالأمم التي بنت إمبراطوريات على طريق تجاري واحد تعلمت في النهاية أن الاحتكار يجلب الهشاشة. لقد كانت علاقة أوروبا بالولايات المتحدة طريقًا تجاريًا من الثقة، غنيًا ومجزيًا، لكن حتى أقوى الطرق يحتاج إلى بديل عندما تهب العواصف.

شراكات قد تعيد رسم الخريطة
بدأت تحالفات جديدة تتشكل بالفعل عند أطراف النظام القديم. فدول في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط تتوق إلى التعاون في مجال الأقمار الصناعية وخدمات الإطلاق ورصد الأرض. وكثير منها لا يثق بالسيطرة الاحتكارية على الفضاء بقدر ما لا تثق بها أوروبا.
فالمشاريع المشتركة يمكن أن تتقاسم عبء الأبحاث المكلفة، والاتفاقات التبادلية يمكن أن تضمن الوصول إلى مواقع إطلاق ومحطات أرضية متناثرة عبر قارات مختلفة، والأقمار الصناعية المشتركة يمكن أن تخدم رصد المناخ والاستجابة للكوارث والاتصالات في مناطق كثيرًا ما تتجاهلها القوى الكبرى.
إن مثل هذه الشراكات لن تحل محل الرابطة عبر الأطلسي، بل ستخفف من مخاطرها. فعندما تكون العلاقة واحدة من علاقات كثيرة، يتحول الاعتماد إلى ورقة قوة بدلًا من نقطة ضعف. وبذلك تستطيع أوروبا أن تتفاوض من موقع قوة لا من موقع ضرورة، فتختار أصدقاءها بدلًا من التشبث بحامٍ واحد.
خذ قطاع الإطلاق مثلًا؛ فإذا استطاعت أوروبا أن توفر لشركائها حول العالم رحلات موثوقة وميسورة التكلفة إلى المدار، فإنها تتحول إلى مركز بدلًا من زبون. وخذ رصد الأرض؛ فإذا تدفقت البيانات الأوروبية بحرية إلى الدول التي تحتاجها، يصبح حسن النية شكلًا من أشكال القوة الناعمة التي لا يمكن لأي رسوم جمركية أن تمحوها.
هل تستطيع أوروبا الإفلات حقًا؟
إذن، هل تستطيع أوروبا فعلًا الإفلات من الولايات المتحدة في الفضاء؟ الجواب الصادق معقد. فالانفصال الكامل غير مرجح وربما غير حكيم أصلًا؛ فالقارتان تتشاركان من التاريخ والتكنولوجيا والمصالح ما يفوق قدرتهما على قطع كل الروابط. غير أن استقلالًا جزئيًا، ذا معنى ودائم، في المتناول.
سيتطلب ذلك تضحيات؛ فعلى أوروبا أن تستثمر بجرأة، وتوحّد صناعتها المجزأة، وتتعامل مع الفضاء بوصفه بنية تحتية حرجة لا ترفًا. وعليها أن تروض تكاليف الطاقة وتؤمّن المواد الخام التي تغذي مصانعها. وقبل كل شيء، عليها أن تقرر أن السيادة تستحق الثمن.
أما البديل فهو انجراف بطيء نحو التبعية، حيث تكتفي أوروبا بمشاهدة الآخرين وهم يرسمون قواعد السماء.
كوكبة جديدة من الخيارات
بالعودة إلى تولوز، سيواصل المهندسون اختبار المحركات. وفي مكان ما سيُطلق قمر صناعي حاملًا آمال قارة ترفض أن تكون مجرد راكب في مستقبلها. فالطريق أمامها وعرة ومزدحمة بتجاوزات التكاليف والنزاعات السياسية، لكنها طريق يبدو أن أوروبا عازمة على السير فيها.
النجوم لا تنتمي إلى أمة بعينها. ولهذا السبب بالذات تحلم أوروبا بالوصول إليها وفق شروطها الخاصة، جنبًا إلى جنب مع الأصدقاء القدامى والجدد على حد سواء. وسواء تحول هذا الحلم إلى كوكبة أم إلى قصة تحذيرية، فذلك رهن بالخيارات التي ستُتخذ في العقد المقبل، في مجالس الإدارة والبرلمانات وعلى منصات الاختبار حيث يشتعل المستقبل بهدوء.
فالسماء، كما كانت دائمًا، تراقب.