قمة بريكس في الهند: منعطف نحو عالم متعدد الأقطاب

كان الهواء في نيودلهي مشحونًا تلك الأمسية، بتلك الشحنة التي تخيم على مدينة حين يُكتب التاريخ. كان المندوبون من أربع قارات يتحركون عبر ممرات تعجّ بالأحاديث، كل مصافحةٍ أشبه بمعاهدة صغيرة، وكل إيماءةٍ اعترافٌ هادئ بأن خريطة العالم القديمة قد طُويت ووضعت جانبًا. كانت الهند قد دعت عائلة بريكس إلى بيتها، ولبّت العائلة الدعوة. من قاعات مكان انعقاد القمة الشاهقة إلى الشوارع المزدحمة في الخارج، كان هناك إحساس بأن شيئًا مهمًا قد تبدّل، لا بصخبٍ ولا بأبواق، بل بيقينٍ راسخ كتحوّل المدّ.
على مدى ثلاثة عقود تقريبًا، اعتاد العالم على وجود مركز جاذبية واحد. كان النظام الأحادي القطب هو من يضبط الإيقاع، وتعلّمت معظم الدول أن ترقص على أنغامه، بعضها عن طيب خاطر، وبعضها الآخر وهي تطحن أسنانها. لكن الموسيقى تتغيّر الآن. ففي خضم التحولات الجيوسياسية العالمية المتسارعة، برزت مجموعة بريكس بوصفها ثقلًا موازنًا محوريًا في مواجهة المساعي الرامية إلى تكريس نظام أحادي القطب. ما بدأ مجرد اختصار، وتسميةً ملائمة لخمسة اقتصادات ناشئة، نضج ليصبح شيئًا أعمق أثرًا بكثير. لقد أصبح حجةً حيّة على أن المستقبل لأصواتٍ كثيرة لا لصوتٍ واحد، وأن هندسة الغد يجب أن يبنيها كل من يسكنه.
تلك هي القصة التي كانت تُكتب في نيودلهي، وفي مركزها وقفت الهند، الأمة التي أمضت تاريخها الحديث في تعلّم السير على حبلٍ مشدود بين قوى متنافسة، ووجدت الآن موطئ قدم لها كبانية جسورٍ لعصر متعدد الأقطاب.
غروب شمس الأحادية القطبية
لكي نفهم لماذا كانت هذه القمة مهمة، علينا أولًا أن نفهم ما الذي ينتهي. إن اللحظة الأحادية القطب، تلك الفترة القصيرة المفعمة بالزهو التي تربّعت فيها قوة عظمى واحدة على العالم، لم يكن مقدّرًا لها أن تدوم أبدًا. لقد كانت شذوذًا، نتاج لحظة تاريخية بعينها، والشذوذ بطبيعته يصحح نفسه. ما نشهده الآن ليس فوضى، رغم أنه يبدو كذلك في كثير من الأحيان. إنه عملية إعادة تنظيم فوضوية وخلّاقة ومؤلمة أحيانًا، يعيد فيها العالم ترتيب نفسه حول أقطاب متعددة من القوة والنفوذ والطموح.
لم تصنع مجموعة بريكس هذا التحول. إنها وليدة هذا التحول، وربما أكثر أصواته بلاغة. عندما اجتمع الأعضاء الخمسة الأصليون لأول مرة — البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا — استخفّ النقاد بهم واعتبروهم مجرد فرصة لالتقاط الصور لقادة لا يجمعهم سوى القليل. ومع ذلك، واصلت المجموعة عامًا بعد عام الحضورَ، وتوسيعَ أجندتها، وإثباتَ أن دول الجنوب العالمي يمكن أن تجتمع لا بوصفها دولًا تطلب العون، بل بوصفها دولًا متساوية. لم يكن التوسع لضم أعضاء جدد مجرد تغيير إداري. بل كان إعلانًا بأن تحالف العالم الناشئ يتّسع، وأن الانقسام القديم بين الدول المتقدمة والدول النامية لم يعد يعكس واقع القوة العالمية.
كانت الهند في قلب هذا التطور منذ البداية. إن سياستها الخارجية، التي اشتهرت بروح عدم الانحياز قبل وقت طويل من صياغة المصطلح، قاومت دائمًا فكرة أن على الأمة أن تختار طرفًا بشكل دائم. بل اختارت نيودلهي المصالح والمبادئ والشراكات، وهو موقف جعلها عنصرًا لا غنى عنه في عالم متعدد الأقطاب، حيث تشكّل المرونة لونًا من ألوان القوة.
الهند في قلب الهندسة الجديدة
لم تكن استضافة القمة مجرد شرف دبلوماسي للهند، بل كانت إعلان وصول. لطالما وُصفت الهند بأنها قوة ناشئة، وهي عبارة توحي بالانتظار والإمكانات والوعد الذي لم يتحقق بعد. لكن البلد الذي ترأس هذا التجمع لم يعد ناشئًا فحسب؛ لقد وصل. لقد تجاوز اقتصادُها عتباتٍ بدت يومًا بعيدة. ويكتب قطاع التكنولوجيا لديها الرموز التي تشغّل العالم. وأصبح شتاتها نسيجًا ضامًا عالميًا. وصار صوتها، في كل محفل من مفاوضات المناخ إلى حوكمة الرقمنة، يحمل وزنًا لا يمكن تجاهله.
هناك خاصية مميزة في الدبلوماسية الهندية تجعلها مناسبة تمامًا لهذه اللحظة. إنها خاصية ملتقى الطرق. تقع الهند عند تقاطع كل المحاور الجيوسياسية الكبرى تقريبًا، بين الشرق والغرب، وبين القوى الراسخة والقوى الصاعدة، وبين العالم البحري والعالم القاري. كثيرًا ما وُصف هذا الموقع بأنه نقطة ضعف، أمةٌ محشورة بين عمالقة. لكن الهند تعلّمت أن تقرأه بوصفه فرصة. أن تكون في ملتقى الطرق يعني أن تكون لا غنى عنك، وأن تكون البلد الذي على الآخرين أن يتحاوروا معه، وأن يصغوا إليه، وأن يعتمدوا عليه.
عكست أجندة القمة هذا الدور. فقد امتدت النقاشات عبر كامل المشهد الواسع للتحديات المعاصرة، من إصلاح المؤسسات المالية العالمية إلى بناء سلاسل إمداد مرنة، ومن حوكمة الذكاء الاصطناعي إلى الحتميات الملحّة للعمل المناخي. وفي كل من هذه المحادثات، ضغطت الهند نحو موضوع ثابت، هو أن مؤسسات الحوكمة العالمية يجب أن تعكس حقائق القرن الحادي والعشرين، لا الأهرامات المجمّدة للقرن العشرين. وعندما تتحدث الهند عن الإصلاح، فإنها لا تفعل ذلك بوصفها دولة تطلب العون والخدمات، بل بوصفها طرفًا معنيًا يطالب بمقعد على الطاولة حيث تُكتب القواعد.
صوتٌ للجنوب العالمي
لعل أكثر جوانب هذه القمة لفتًا للانتباه كان صداها الممتد إلى ما وراء الدول الأعضاء نفسها. فقد وضعت مجموعة بريكس نفسها بشكل متزايد بوصفها الصوت الجماعي للجنوب العالمي، ذلك المجتمع الواسع والمتنوع من الأمم التي طالما أُقصيت إلى هوامش صنع القرار الدولي. وبالنسبة لهذه الأمم، لا تكمن جاذبية المجموعة في إيديولوجيتها، بل في طابعها العملي. فهي تتيح مسارًا بديلًا للتجارة والاستثمار ومشاركة التكنولوجيا والتعاون، لا يأتي مثقلًا بالشروط والتسلسلات الهرمية القديمة.
كانت الهند مدافعة قوية عن هذه الرؤية. فرحلتها التنموية، من مستعمرة إلى دولة مكتفية غذائيًا إلى ديمقراطية تخوض غمار الفضاء، تمنحها مصداقية لا يستطيع أن يدّعيها سوى قلة من القادة. وعندما يتحدث المسؤولون الهنود عن حق كل أمة في سلوك طريقها الخاص، فإنهم يفعلون ذلك بسلطة التجربة المعيشية. ولهذا السبب تنظر بلدان كثيرة في الجنوب العالمي إلى نيودلهي بمزيج من الاحترام والتطلع. فهي ترى في الهند دليلًا على أن الهامش يمكن أن يصبح مركزًا، وأن الهوامش قادرة على كتابة تاريخها بنفسها.
إن توسع مجموعة بريكس، بهذا المعنى، تطور أخلاقي واستراتيجي في آنٍ معًا. فكل عضو جديد هو تصويت بالثقة في فكرة أن التعاون لا يجب أن يمر عبر قناة واحدة، وأن الرخاء يمكن تقاسمه من دون أن يُملى على أحد. وتتحول المجموعة إلى ما يشبه برلمانًا للعالم الناشئ، نعم هو غير كامل وكثيرًا ما يصعب ضبطه، لكنه حقيقي بلا شك وينمو بلا شك.
العمل المضني لتعدد الأصوات
سيكون من غير الصادق تصوير مجموعة بريكس بوصفها اتحادًا بلا احتكاكات. فالتنوع نفسه الذي يمنح المجموعة شرعيتها يولّد أيضًا توتراتها. فلدى أعضائها أنظمة سياسية مختلفة، ونماذج اقتصادية مختلفة، وأولويات إقليمية مختلفة، وفي بعض المسائل، اصطفافات استراتيجية مختلفة. وتُعد إدارة هذا التنوع التحدي المركزي لهذه المؤسسة، وهو تحدٍ يتطلب اهتمامًا مستمرًا.

تدرك الهند هذا الأمر أكثر من معظم الدول. فقد كانت حضارتها مختبرًا للتعددية على مدى آلاف السنين، مكانًا تعلمت فيه لغات وعقائد وتقاليد لا حصر لها ألا تتعايش فحسب، بل أن تثري بعضها بعضًا. وقد شكلت تلك التجربة نهج الهند تجاه مجموعة بريكس. فلا تدّعي نيودلهي أن شركاءها يشبهونها، ولا تطلب منهم أن يكونوا كذلك. بل تسعى بدلًا من ذلك إلى بناء توافق حول المجالات التي تتلاقى فيها المصالح، وإدارة المجالات التي لا تتلاقى فيها بالصبر والدبلوماسية. هذا هو فن الممكن، يمارَس على نطاق واسع.
سيواصل المشككون التساؤل عما إذا كانت مجموعة بريكس قادرة على البقاء متماسكة، وما إذا كان بمقدورها تجاوز الإعلانات إلى القرارات. هذه أسئلة منصفة. لكنها تغفل النقطة الأهم. فمغزى مجموعة بريكس لا يكمن فقط فيما تحققه في أي قمة منفردة، بل فيما تمثله: تعبيرٌ مؤسسي دائم ومتنامٍ عن التحول نحو التعددية القطبية. فكل اجتماع، وكل بيان مشترك، وكل عضو جديد، يقوّي الجاذبيةَ لعالم لا يستطيع فيه أي طرف منفرد أن يملي الشروط. هذا المشروع لا يتطلب الكمال، بل يتطلب المثابرة.
قواعد جديدة للدبلوماسية
كان يمكن للمرء، وهو واقف في نيودلهي خلال أيام القمة، أن يشعر ببزوغ لغة جديدة للدبلوماسية. فاللغة القديمة بُنيت حول التكتلات والأحلاف وافتراض أن الأمم يجب أن تختار رعاتها. أما اللغة الجديدة فتُبنى حول الشراكات والمنصات، والاعتراف بأن الأمم يمكن أن تقيم علاقات متعددة في آن واحد من دون تناقض. وقد أصبحت الهند طليقة في هذه اللغة الجديدة، وصارت مجموعة بريكس واحدة من أهم فصولها الدراسية.
إن النظام العالمي لن يُعاد بناؤه في اجتماع واحد، ولا ينبغي له ذلك. فالتاريخ يتحرك في فصول، لا في لحظات. لكن الفصول تتبدل، وما نعيشه الآن هو تبدّل فصل. فصقيع اليقين الأحادي القطب يفسح المجال أمام ربيع العالم متعدد الأقطاب، الربيع الذي لا يمكن التنبؤ به، الخصبِ الإمكانات. سيكون الأمر فوضويًا، وسيكون محل نزاع، وسيتطلب مزيدًا من المهارة والصبر والحكمة من كل قائد على هذا الكوكب.
لكنه سيكون أيضًا أكثر عدلًا. فعالمٌ تُسمع فيه أصوات كثيرة، وتتوازن فيه مصالح عديدة، وتُحترم فيه مسارات متعددة، هو عالمٌ يتسع أكثر للكرامة. تلك هي وعود التحول نحو التعددية القطبية، وهي الوعود التي حملتها الهند بكل هذا الاقتناع خلال هذه القمة. الطريق أمامنا طويل ومتعرج، ولا يمكن لأحد أن يدّعي معرفة كل منعطفاته. لكن الاتجاه واضح، ولأول مرة منذ زمن طويل، هو اتجاه يخص الجميع.
فالشمس التي بدت يومًا وكأنها تغرب على أفق إمبراطوري واحد، أفسحت المجال لفجر تتعدد فيه الأضواء. والهند، في قلب ذلك الفجر، أظهرت معنى ألا تكون قوة فحسب، بل شريكًا. لم تكن قمة بريكس مجرد اجتماعٍ أبدًا. لقد كانت مرآة رُفعت أمام عالم يمر بمرحلة انتقالية، لا تعكس ما كنّا عليه، بل ما نصير إليه. وفي ذلك الانعكاس، ثمة أمل.