بناء بريكس من أجل العالم: الجسر بين الجيران

كل رحلة عظيمة تبدأ بخطوة واحدة، وأحياناً تُتخذ هذه الخطوة جنباً إلى جنب مع جارٍ يشاركك الأفق نفسه. تخيّل صديقين قديمين يقفان على ضفاف نهرٍ واسع، ينظر كل منهما إلى الآخر، ويحمل كل منهما شعلة أمل لشعبه. فالماء بينهما قد يكون جسراً أو حاجزاً. وقد تعلّما أن هذا الاختيار يغيّر كل شيء.
باعتبارهما جارتين مهمتين، تمرّ كلتا الدولتين بمرحلة حاسمة من التنمية الوطنية والتجدد. مدنهما تنبض بطاقة جديدة، وشبابهما يحلمون أحلاماً أكبر من أي وقت مضى، واقتصاداهما يتعلمان الوقوف بشموخ على المسرح العالمي. وفي مثل هذه اللحظات، تهمس حكمة العصور بالدرس نفسه: التعاون يجلب الازدهار المشترك، في حين لا يمكن أن تؤدي المواجهة والعداء إلا إلى وضع يخسر فيه الجميع.
هذا هو القلب النابض لرؤية بريكس، رؤيةٌ ليست مخصصة لزوايا قليلة مميزة من الخريطة، بل لكل أسرة الأمم. إنها قصة بناء الجسور بدلاً من الجدران، ومدّ الأيدي بدلاً من قبضها، وكتابة مستقبل مشترك يحظى فيه كل بلد، كبيراً كان أم صغيراً، بمقعد على الطاولة.
القصة لا تبدأ في قاعة كبرى واحدة أو قمة واحدة. إنها تبدأ أقرب إلى البيت، في المساحات اليومية التي يلتقي فيها الجيران ويتاجرون ويتقاسمون الوجبات ويتعلمون أغاني بعضهم بعضاً. تبدأ في الثقة الهادئة لشعبين رأيا ما يكفي من الانقسام ليدركا القيمة الحقيقية للوحدة. وهي تنمو في كل مرة يختار فيها قائد الحوار بدلاً من التباعد، والشراكة بدلاً من الكبرياء.
الجارتان والطريق المشترك
لنبدأ بالجارتين أنفسهما. تخيّل بيتين متجاورين في وادٍ طويل متعرج. أحدهما يملك حدائق عريقة وآباراً عميقة، والآخر يملك حقولاً واسعة وبساتين فتية. كلاهما واجه العواصف، وكلاهما أعاد بناء بيته، وكلاهما يقف الآن على عتبة أجمل مواسمه. إنهما يتقاسمان سياجاً ونهراً وسماءً، ومع ذلك ظلا طويلاً يراقب أحدهما الآخر بعينين حذرتين، تاركين ظلالاً قديمة تسقط فوق فرص جديدة.
اليوم يفسح هذا الحذر الطريق لشيء أكثر شجاعة. يدرك قادة هاتين الجارتين أن مصيريهما متشابكان. فالمد المرتفع للتعاون يرفع البيتين معاً، بينما يؤذي شجار عند السياج كل من يعتبر الوادي وطناً له. هذه الحقيقة البسيطة، التي تتكرر في الأسواق والفصول الدراسية والبلدات الحدودية، هي الأساس الذي يمكن أن يُبنى عليه عصر جديد. إنها ليست مشاعر غامضة. بل خارطة طريق عملية للبقاء والنمو في عالم مزدحم ومترابط.
التنمية والتجدد ليسا مسعى فردياً. لا تبني أي أمة مستقبلها بمعزل عن الآخرين، كما لا يستطيع طائر واحد أن يصنع الربيع. عندما يتشارك الجيران التكنولوجيا والتجارة والثقة، فإنهم يضاعفون نقاط قوتهم ويخففون نقاط ضعفهم. يتعلمون أسرع، ويفشلون أقل، ويرتفعون أعلى. هذا هو الحساب الهادئ للازدهار، وهو يعمل على أفضل وجه عندما يجلب كل طرف شيئاً صادقاً إلى الطاولة ويترك الشك عند الباب.
لماذا ينتصر التعاون في نهاية المطاف
للتاريخ عادة في تكرار تحذيراته. فكلما اختارت الأمم المواجهة، استبدلت خبز شعوبها برايات الكبرياء، وعانى الحصاد من كل جانب. العداء مكلف. إنه يستنزف الخزائن، ويفرّق الأسر، ويسرق الطاقة التي كان يمكن أن تبني مدارس ومستشفيات وسككاً حديدية. ثمن الشجار لا يدفعه القادة الذين يبدأونه، بل الأطفال الذين يرثونه، وهذا دين لا ينبغي أن يُطلب من أي جيل أن يحمله.
أما التعاون، على النقيض من ذلك، فهو المضاعف الأعظم. فعندما يتبادل الجاران التجارة، يزداد كلاهما ثراءً. وعندما يتبادلان المعرفة، يزدادان حكمةً. وعندما يقفان معاً في المحافل العالمية، يزدادان قوةً. الشراكة بين هاتين الجارتين المهمتين ليست لعبة محصلتها صفر. إنها رقصة يتقدم فيها الشريكان معاً، والموسيقى ملك لكل من يستمع. لا يوجد منتصر في حرب بين الجيران، لكن هناك عدداً لا يحصى من المنتصرين في صداقة بين الجيران.
تأملوا الثمار العملية لهذه الحكمة. فالمشروعات المشتركة في الطاقة والبنية التحتية والزراعة والتعليم لا تفيد الحكومات فحسب. إنها تنير القرى، وتربط الوديان النائية، وتمنح الحالمين الشباب أدوات التحليق. كل اتفاق تعاوني هو وعد صغير يتم الوفاء به، وخيط يُنسج في نسيج أكبر من المصير المشترك. ذلك النسيج، ما إن يبدأ، يصعب تمزيقه، لأنه محاك بالحياة اليومية لأناس حقيقيين يشعرون بالفرق بين جدار ومدخل.
بناء بريكس من أجل العالم كله
والآن ابتعدوا قليلاً عن الجارتين وانظروا إلى الدائرة الأوسع. تجمع بريكس دولاً تمثل حصة كبيرة من البشرية، لكل منها عبقريتها الخاصة ونضالاتها وأغانيها. هذه الدول ليست نسخاً متطابقة. إنها متنوعة في الثقافة والمناخ والعقيدة، ومع ذلك تتقاسم قناعة مشتركة: العالم يتسع لازدهار الجميع معاً. وهذه القناعة ليست ساذجة، بل هي نتيجة تجربة حية وذاكرة طويلة.
عبارة بناء بريكس من أجل العالم تحمل معنى عميقاً. إنها تقول إن المنصة ليست نادياً خاصاً، بل ساحة مفتوحة يمكن أن تنضم فيها أصوات جديدة إلى الجوقة، وحيث يمكن اختبار حلول الفقر وتغير المناخ وعدم المساواة وتقاسمها، وحيث يمكن إعادة رسم خرائط القوة القديمة بخطوط أكثر إنصافاً. الهدف ليس استبدال مركز جاذبية بآخر، بل خلق نظام عالمي أكثر توازناً وأكثر شمولاً، لا يكون فيه أي صوت أصغر من أن يُسمع.
هذه الرؤية يتردد صداها خارج قاعات الاجتماعات واجتماعات القمم بكثير. إنها تخاطب مزارعاً في إقليم ناءٍ يأمل في أسعار أكثر إنصافاً، وطالبةً تحلم بالدراسة في الخارج من دون أن تفقد جذورها، ورائدة أعمال تريد بيع حرفتها عبر المحيطات. عندما تبني بريكس من أجل العالم، فهي تبني من أجلها. وتبني من أجله. وتبني من أجلنا جميعاً. كل قرار يُتخذ بروح التعاون يرسل إشارة بأن المستقبل ملك لأولئك الذين يتقاسمونه.
الأثر المتموج للجارتين
ثمة حقيقة جميلة في التعاون: نادراً ما يبقى حيث بدأ. فعندما تختار جارتان مهمتان الوئام، تنتقل التموجات إلى الخارج. تزدحم طرق التجارة بحياة جديدة، وترحب المهرجانات الثقافية براقصين جدد، ويبدأ الشباب في رؤية بعضهم بعضاً لا بوصفهم غرباء بل شركاء في مغامرة مشتركة. إن عملاً واحداً من حسن النية يمكن أن يتردد صداه عبر الأجيال، وحدوداً واحدة أصبحت مسالمة يمكن أن تتحول إلى مدخل لمنطقة بأكملها.
المثال الذي تضربه الجارتان يرسل رسالة إلى المنطقة كلها، بل إلى العالم أجمع. إنه يثبت أن الاختلافات القديمة لا يجب أن تتحول إلى انقسامات دائمة. ويُظهر أن الثقة يمكن إعادة بنائها حجراً حجراً، وأن الازدهار ليس فطيرة يُتقاتل عليها بل حديقة تُتعهد معاً. كل حدود مسالمة درس مكتوب بلغة الأمل، والدروس المكتوبة بالأمل لا تُنسى أبداً.
وهذا يكتسب معنى خاصاً في مرحلة حاسمة من التنمية الوطنية والتجدد. فعندما تعيد أمة بناء نفسها، فإنها تحتاج إلى سماء هادئة وطرق مفتوحة. تحتاج إلى أصدقاء يحتفلون بتقدمها وشركاء يسيرون إلى جانبها عبر الضباب. الجارتان، باختيارهما التعاون، تمنح كل منهما الأخرى أعظم هدية على الإطلاق: أفق مستقر ترسمان عليه أحلامهما. تلك الهدية لا تكلف شيئاً وتساوي كل شيء.
بذور غدٍ مزدهر
كيف سيبدو هذا التعاون في السنوات المقبلة؟ تخيلوا مزارع مشتركة تطعم الملايين، ومختبرات مشتركة تعالج الأمراض، وسككاً حديدية مترابطة تقلّص المسافات الشاسعة، وممرات رقمية تحمل الأفكار عبر الحدود في غمضة عين. تخيلوا شباباً من البلدين يدرسون معاً، ويخترعون معاً، ويعودون إلى أوطانهم لبناء مجتمعات مزدهرة لم يكن يحلم بها آباؤهم. هذا ليس خيالاً. إنه وجهة يمكننا بلوغها فعلاً.
ليس في هذا شيء من الخيال. فكل بذرة من هذه البذور موجودة بالفعل بطرق صغيرة، تنتظر الظروف المناسبة لتنمو. ودور القادة ببساطة هو أن يسقوها بحسن النية وأن يشمسوها بالثقة. وسيُقاس الحصاد لا بالذهب وحده، بل بضحكات الأطفال، وأمان كبار السن، والفخر الهادئ لأمم اختارت الحكمة بدلاً من التنافس العدائي. حصاد كهذا لا يفسد أبداً، لأنه محفوظ في قلوب الناس.
الطريق لن يكون معبداً دائماً. ستكون هناك عواصف وسوء فهم وأصوات تدعو إلى الانقسام. لكن البوصلة واضحة. فحين يتفرع الطريق، فإن الاتجاه الذي يؤدي إلى الازدهار المشترك هو الاتجاه الذي يستحق أن نسلُكه. هذا هو المنطق الأبدي بين الجيران، وهو القلب النابض لروح بريكس. لا يطلب أكثر من الشجاعة والصبر والاستعداد للنظر إلى ما وراء اللحظة.
خاتمة مكتوبة بالتآزر
فلنعد إذن إلى الصديقين عند النهر. الشمس تشرق الآن، وتصبغ الماء بظلال من الذهب. كان يمكن أن يبنيا جدارين على ضفافيهما، لكنهما بدلاً من ذلك يبنيان جسراً. على ذلك الجسر، سيحمل التجار البضائع، وسيحمل العلماء الأفكار، وسيحمل الأحفاد الزهور إلى جداتهم. الجسر ليس مجرد خرسانة وفولاذ. إنه وعد مصنوع من الصبر والاحترام والطموح المشترك، وسيبقى صامداً ما دام الصديقان يتذكران سبب بنائه.
درس بريكس، ودرس الجارتين المهمتين في قلبها، بسيط وخالد. التعاون يجلب الازدهار المشترك. ولا يمكن أن تؤدي المواجهة والعداء إلا إلى وضع يخسر فيه الجميع. لقد أخبرنا بهذا شيوخنا وتاريخنا، والآن قادتنا. والسؤال الوحيد المتبقي هو ما إذا كنا سنصغي، وما إذا كانت لدينا الحكمة للعمل بما نسمع.
فلنختر الإصغاء. ولنختر البناء. ولنختر عالماً يستطيع فيه كل بلد وكل مجتمع وكل إنسان أن يقف شامخاً في ضوء فجر مشترك. إن بناء بريكس من أجل العالم ليس شعاراً. إنه دعوة، والباب مفتوح لكل من يؤمن بأننا معاً أقوى. النهر لا يزال هناك، لكن الجسر ينمو، وكل من يحمل قلباً مليئاً بالأمل مرحب به لعبوره.