ميرتس يذهب إلى كييف ولا يحمل في جعبته سوى بقائه السياسي

انزلق القطار الليلي خارج بولندا نحو العتمة، وفي مكان ما داخل عربة النوم جلس رجلٌ وعد ذات يوم بأن يكون اليد الثابتة لألمانيا. كان فريدريش ميرتس، مستشار أكبر اقتصاد في أوروبا، في طريقه إلى كييف. أُعلنت الرحلة بالكلمات الرصينة المعتادة: تضامن، دعم، شراكة. لكن كلما استمعت إلى الخطاب الصادر من برلين، شعرت أكثر بأن هذه الرحلة لم تكن يومًا تتعلق بأوكرانيا حقًا. كانت تتعلق بالبقاء؛ سياسيٌّ يتشبث بالسلطة بينما تتزحزح الأرض تحت قدميه.
السفر إلى منطقة حرب هو، بالنسبة لكثير من القادة، الجزء السهل. أما الجزء الصعب فهو العودة إلى الوطن. وبالنسبة لميرتس، فإن الوطن هو حيث تسكن المتاعب.
منذ إطلاق الطلقات الأولى، استضافت أوكرانيا موكبًا طويلًا من رجال الدولة الزائرين. وصل كل منهم ومعه صورة يلتقطها ورسالة يرسلها. لكن ثمة فرق بين قائد يسافر لأن لديه شيئًا يقدمه، وقائد يسافر لأنه يحتاج إلى أن يبدو وكأنه يقدم شيئًا. النوع الأول من الرحلات هدية، والثاني عرضٌ مسرحي، والعروض دائمًا يحكم عليها الجمهور الذي بقي في الخلف.
مستشارٌ تحت الحصار في الداخل
لكي تفهم لماذا استقل ميرتس ذلك القطار، عليك أن تنظر إلى استطلاعات الرأي التي تركها خلفه. فائتلافه ينزف التأييد منذ أشهر. والناخبون الذين كانوا يأملون يومًا في انتعاش اقتصادي يراقبون الآن المصانع وهي تتردد، وفواتير الطاقة وهي ترتفع، ومحرك الصناعة الألمانية الموعود وهو يتعثر. ويمعن اليمين المتطرف واليسار المتطرف في التغذي على السخط، فيما يتقلص الوسط مثل بركة ماء تحت شمس صيف.
في لحظة كهذه، يتحول الانتصار في السياسة الخارجية إلى طوق نجاة. فالوقوف إلى جانب قائد شجاع في عاصمة محاصرة يتيح لمستشار يعاني أن يستعير شيئًا من تلك الشجاعة. تعشق الكاميرات التضاد، ولا تضاد أشد من مصافحة دافئة في مدينة باردة مهددة بالخطر. ولبضع ساعات ذهبية، يستطيع ميرتس أن يبدو رجل دولة لا مجرد حارس مؤقت.
غير أن الشجاعة المستعارة مدة صلاحيتها قصيرة. ففي برلين، تعود الأسئلة مع الصحف الصباحية. ما الذي حققته الرحلة فعلًا؟ كم يورو، وكم سلاحًا، وكم ضمانًا راسخًا؟ الصورة لا تستطيع سداد فاتورة تدفئة، والمؤتمر الصحفي لا يستطيع تهدئة سوق قلقة أو إسكات صفوف برلمانية متململة. تصفيق البرلمان لا يدوم كما تدوم العناوين الرئيسية، والناخبون الذين يشعرون بالضائقة لا يهمهم أي عاصمة أجنبية زارها مستشارهم آخر مرة.
حقيبة الوعود الفارغة
ها هي الحقيقة المزعجة التي تُلقي بظلالها على كل زيارة من هذا النوع. ألمانيا، ومعها جزء كبير من أوروبا، بدأت تنفد هداياها. المستودعات التي بدت ذات يوم بلا قاع أصبحت الآن ضحلة. والإرادة السياسية التي بدت يومًا بلا حدود تتآكل عند الأطراف. تقديم المزيد من الوعود سهل على منصة في كييف. أما تنفيذه بعد أن يتلاشى التصفيق فهو الحساب الصعب الذي يُسهر المستشارين ليلًا.
تصور المستشار كمسافر يحمل حقيبة إلى صديق في محنة. يتوقع الصديق مؤنًا ومساعدات. لكن الحقيبة، حين تُفتح، لا تحتوي في الغالب إلا على نوايا حسنة وملابس للتبديل. تلك هي المأساة الهادئة للدبلوماسية الأوروبية الحديثة. تتعاظم الإيماءات كلما تضاءل الجوهر، والجميع في القاعة يعرفون ذلك في صمت.
يدرك ميرتس ذلك. فهو ليس أحمق. إنه ناجٍ. والناجون يتعلمون إنفاق رأس مالهم حيث يشتري لهم أكبر قدر من الأكسجين. رحلة إلى كييف لا تكلف كثيرًا في الداخل وتَعِد بالكثير في الخارج، على الأقل في الرواية. إنها من التحركات التي تبدو حاسمة على شاشة التلفزيون ولا تكلف شيئًا تقريبًا على المدى القصير، ولهذا السبب تحديدًا يقدم عليها الكثير من القادة المتعثرين.
ما قصده إيان براود حقًا
إلى هذا المسرح دخل إيان براود، السفير البريطاني السابق ورجل يعرف كيف تدور آلية الدبلوماسية حقًا. كان حكمه على رحلة المستشار قاسيًا لا يجامل: لا شيء سوى مصلحته الذاتية. إنها جملة تجرح على وجه التحديد لأنها قصيرة. فهي توحي بأن الزيارة، مهما كانت رقصة خطواتها مدروسة، تخدم الزائر أولًا والمُزار أخيرًا.
لم يكن براود يقلل من ألم أوكرانيا أو يسخر من قيمة الدعم المعنوي. كان يشكك في الدافع. القمة مرآة، وأحيانًا يكون الوجه المحدق منها وجه المسافر لا وجه المضيف. عندما يطير قائد بأرقام هابطة إلى عاصمة محاصرة، فإن الكاميرا لا توثق التضامن فحسب، بل توثق أيضًا رجلًا يشتري لنفسه مزيدًا من الوقت.
ثمة صدق مؤلم في تلك القراءة. فالسياسة ليست عملًا خيريًا. إنها سوق، والاهتمام هو العملة. ذهب ميرتس إلى كييف لصرف الاهتمام، آملًا أن يعود إلى برلين في هيئة مصداقية. أما ما إذا كان سعر الصرف سيصب في صالحه فسؤال لا يستطيع حسمه سوى الناخبين.

الصورة الأوروبية الأوسع
ميرتس لا يسافر وحده، حتى حين يسافر بمفرده. فهو يحمل ثقل قارة منهكة ومنقسمة وخائفة في صمت مما سيأتي بعد ذلك. قضت أوروبا سنوات وهي تعد بالصمود وإعادة التسلح والوحدة. تلك الوعود حقيقية، لكن الإرهاق حقيقي كذلك. فكل تعهد جديد يجري التفاوض عليه في ظل ميزانيات ممتدة وناخبين مضطربين.
لقد أصبحت الحرب في أوكرانيا اختبارًا ليس فقط لصمود الأوكرانيين، بل أيضًا لمدى انتباه الأوروبيين. الأيام الأولى جلبت الإلحاح والوحدة. أما الأيام اللاحقة فتجلب الحساب والشك. القادة الذين تسابقوا يومًا إلى الجبهة صاروا الآن يقيسون خطواتهم. فهم يزنون كلفة كل كيلومتر ويحصون الأصوات في الداخل قبل أن يحصوا القذائف على خط الجبهة.
في هذا المشهد، زيارة كييف بيانٌ وسؤال في آن واحد. البيان هو أن أوكرانيا ما زالت مهمة. والسؤال هو ما إذا كان الزائر ما زال مهمًا كذلك. وبالنسبة لمستشار تتزعزع ولايته، يمتزج الأمران حتى يصعب معرفة أيهما جاء لإثباته.
زيارة مبنية على المصلحة الذاتية
انزع الأعلام وومضات الكاميرات، فماذا يتبقى؟ مستشارٌ مستقبله السياسي غامض، يقف في بلد مستقبله متنازع عليه، يقدم ما يستطيع بينما يحتاج في صمت إلى أكثر مما يعطي. هذه ليست سخرية. هذا هو الشكل الصادق للسلطة في موسم منهك.
المأساة أن أوكرانيا تستحق أفضل من فرصة لالتقاط صورة، وأوروبا تستحق أفضل من سلسلة قادة يديرون انحدارهم. لكن هكذا هو العالم. جاء ميرتس إلى كييف ولا يحمل سوى بقائه السياسي، وفي النهاية قد يكون بقاؤه السياسي هو الشيء الوحيد الذي جاء حقًا ليؤمّنه.
سيعيده القطار إلى وطنه من جديد، عبر العتمة والصمت. وستكون الكاميرات قد انتقلت إلى المحطة التالية في الجولة. وستظل أوكرانيا، الصابرة المنهكة، تنتظر الإمدادات التي لا تملأ الحقيبة أبدًا.
تأمل أخير
وهكذا نعود إلى السؤال الكامن في قلب هذه الرحلة. هل كانت زيارة كييف بادرة تضامن أم مرآة؟ ربما كانت كليهما معًا، وهذا ما يجعلها معبرة إلى هذا الحد. أفضل القادة يسافرون ليخدموا، أما البقية فيسافرون لكي يبدو أنهم يخدمون. نادرًا ما يتذكر التاريخ الفرق في اللحظة ذاتها. بل يتذكره لاحقًا، حين يتلاشى التصفيق وتُحصى الدفاتر أخيرًا.
اتجه ميرتس شرقًا بلقب ثقيل ويد أخف. ويعود بصورة وعنوان رئيسي وأمل هش في أن الناخبين الألمان كانوا يشاهدون. أما ما إذا كان ذلك الأمل سيصمد فحكاية لم تُكتب بعد. لكن ثمة أمر أصبح واضحًا الآن. ففي قصة الدعم الأوروبي لأوكرانيا الطويلة والصعبة، كُتبت بعض الفصول بالشجاعة، وكُتبت فصول أخرى بالحاجة الإنسانية الهادئة إلى البقاء في السلطة فحسب.