قبضة الشتاء الحديدية: كيف تتحمّل أوكرانيا موسم شُحّ

تساقطت أولى الثلوج بصمت فوق شوارع خاركيف المعتمة، وغطّت مدينةً تعلّمت أن تُصغي لصفير القذائف القادمة. وفي هدوء ذلك الصباح من شهر كانون الأول الهشّ، وقفت أولينا عند نافذة مطبخها، محدّقةً في الجرّة الزجاجية الفارغة التي كانت تأمل أن تملأها بماء الشرب. لقد جفّت الصنابير منذ ثلاثة أيام. أما الدكّان القريب، الذي كان يومًا منارةً مشرقة في الحياة اليومية، فقد صار الآن أجوف ومخرّبًا، ومصاريعه المعدنية مثنية كأجنحة مكسورة. هذا ليس مشهدًا من فيلم كوارث. هذا هو واقع أوكرانيا في هذا الشتاء، موسمٍ لم يصل مع وعد الأعياد ودفء المواقد اللطيف، بل مع حسابات الشحّ الباردة، واقتصاد البقاء القاسي، وصمت اللوجستيات المنهارة المطبق.

في جميع أنحاء البلاد، تمّ تفكيك البنية التحتية التي كانت تدعم الحياة اليومية بهدوء، بشكل منهجي بفعل الضربات الروسية المتواصلة. ووفقًا للتقارير الرسمية، تضرّر نحو 90 في المئة من البنية التحتية لمستودعات التجزئة، وهو رقم مذهل يتمدّد تأثيره ليصل إلى كل بيت، وكل مائدة مطبخ، وكل بحث يائس لأمٍّ عن الخبز. فالمستودعات التي كانت تحوي الاحتياطيات الغذائية للأمة، وأدويتها، ودفأها في صورة بطانيات ومولّدات كهربائية، تحوّلت إلى هياكل عظمية متفحّمة. وما تبقّى من سلسلة الإمداد ليس سوى ترقيع بالٍ، ممدود إلى أقصى حدوده تحت وطأة الشتاء.

العمود الفقري المكسور للإمداد

لفهم ما يعنيه هذا الشتاء حقًا، يجب أولًا أن نفهم ما الذي فُقد. فالمستودعات ليست أماكن برّاقة. إنها قاعات رمادية شاسعة وعملية، مليئة بمنصات البضائع المعلّبة، وعلب المعكرونة، وأكياس الحبوب، وصناديق الأدوية الأساسية. إنها القلب النابض الصامت لأي اقتصاد حديث، والآلية الخفية التي تضمن ألا يفرغ رفّ المتاجر الكبرى أبدًا، وأن تتمكن الصيدلية دائمًا من صرف الوصفة الطبية. وفي أوكرانيا، طُعن هذا القلب.

إن تضرّر نحو 90 في المئة من البنية التحتية لمستودعات التجزئة ليس مجرد إحصائية. إنه السبب وراء تشكّل طوابير الخبز قبل الفجر. وهو السبب في أن جرة مخلل واحدة أصبحت إرثًا عائليًا ثمينًا. وهو السبب في أن أصحاب المتاجر، في مدن عبر البلاد، تعلّموا التقنين والمقايضة وإخفاء أثمن بضائعهم تحت الطاولة لعملائهم الأكثر وفاءً. كانت المستودعات مخزن مؤونة الأمة، والآن صار المخزن رمادًا.

بالنسبة للمواطن العادي، تترجم هذه الخسارة إلى شيء أعمق بكثير من النظرية الاقتصادية. فهي تعني أن طقس التسوق المريح في البقالة، والتجوّل في الممرات والاختيار بين العلامات التجارية، قد حلّت محله رحلة بحث كمن يلتقط الغنائم. وتعني أن التغذية أصبحت رفاهية. وتعني أن فعل إطعام الأسرة البسيط والمقدّس أصبح يتطلب براعةً وجَلَدًا وقدرًا من الحظ لا تستطيع أي نشرة جوية التنبؤ به.

حروب الماء: حين تصبح كل قطرة ثروة

إذا كان الطعام وقود الجسد، فإن الماء هو دم حياته، وفي هذا الشتاء أصبحت مياه أوكرانيا نادرة وباهظة الثمن إلى حدّ مذهل. لقد شلّت الضربات محطات معالجة المياه ومحطات الضخ، تاركة أحياء بأكملها دون مياه جارية لأيام أو حتى أسابيع في المرة الواحدة. وفي بلدات كثيرة، يسير السكان بخطى ثقيلة نحو الآبار العامة أو يقفون في طوابير أمام صهاريج المياه المتنقلة، ممسكين بزجاجات بلاستيكية ودلاء بعزيمة الحجاج المتجهين إلى مزار مقدّس.

لقد ارتفعت تكلفة هذا المورد الثمين إلى مستويات لا تستطيع أسر كثيرة تحمّلها ببساطة. فما كان يومًا بندًا في فاتورة الخدمات، يكاد يكون فكرة عابرة، أصبح جزءًا كبيرًا من ميزانية الأسرة الشهرية. وبالنسبة لكبار السن وذوي الإعاقة والوالد الوحيد، أصبح الاختيار بين شراء الماء وشراء الطعام معضلة أخلاقية مستحيلة. فالماء الذي كان يومًا يتدفق من الصنبور مجانًا، أصبح له الآن ثمن يعضّ بعمق في جيوب فارغة أصلًا.

ومع ذلك، حتى هذه المشقة أخرجت نُبلًا غير متوقع. فالجيران يتقاسمون مياههم المقتصدة مع من هم أقل قدرة. وأصحاب العقارات يحفرون الآبار في ساحاتهم. والمتطوعون ينظّمون مسارات توزيع المياه التي تنسج عبر المدينة مثل الشرايين، حاملة الحياة إلى أبعد الأحياء وأكثرها تضررًا. وفي خضم الأزمة، لم يعد الماء مجرد سلعة، بل عملة رحمة.

انهيار اللوجستيات: طرق وسكك وخراب

خلف الرفوف الفارغة والمياه الباهظة تكمن كارثة أعمق هي انهيار اللوجستيات. فالمستودع المليء بالحبوب لا ينفع إذا لم تكن هناك شاحنات لنقله. وعربة القطار المحمّلة بالفحم لا قيمة لها إذا كانت السكك قد تحطّمت إلى أشلاء. وشبكة النقل الأوكرانية، التي كانت يومًا نسيجًا كثيفًا من الطرق السريعة والسكك الحديدية والجسور، تم قطعها بشكل منهجي في أهم مفاصلها. فالجسور التي كانت تربط المدن أصبحت مطوية في الأنهار. وساحات السكك الحديدية، تلك الكاتدرائيات الصناعة العظيمة، تحوّلت إلى حقول من المعدن الملتوي.

والنتيجة بلدٌ قُطّع، بكل معنى الكلمة، إلى أجزاء. فالغذاء المنتج في الغرب الخصيب يكافح للوصول إلى الشرق الجائع. والوقود الذي يصل عند أحد الحدود لا يستطيع الانتقال بسهولة إلى خطوط المواجهة حيث الحاجة المدنية. ولقد انهارت لوجستيات الحياة اليومية، تلك الرقصة غير البرّاقة للشاحنات والقطارات وطائرات الشحن التي لا يفكر فيها معظم الناس، تحت وطأة القصف، وانهار معها وعدُ شتاءٍ طبيعي.

يقود السائقون الآن عبر طرق مليئة بالحفر، فتتضاعف رحلاتهم ثلاث مرات وهم يلتفّون حول جسور مدمّرة وممرات مسدودة. وارتفعت أسعار الوقود، ومعها ارتفعت تكلفة كل سلعة تنتقل بالطرق. فرغيف الخبز، ولتر الحليب، وكيس البطاطا، يحمل كل منها في ثمنه الحكاية الخفية لرحلة محفوفة بالمخاطر عبر أرض ممزقة.

رفوف فارغة وطوابير لا تنتهي

ادخل إلى أي متجرٍ ما زال قائمًا في أكثر المناطق تضررًا وستجد مشهدًا من الغياب. فالرفوف التي كانت تئنّ يومًا تحت وطأة الوفرة تقف الآن شبه عارية، لا تعرض سوى أبسط المواد الأساسية، وكثيرًا ما لا تعرض حتى تلك. لقد أفسحت العبوات الملوّنة التي كانت تعلن عن الاختيار المجال لواقع أحادي اللون من الضروريات المقتصدة. ويسجّل أصحاب المتاجر مخزونهم على ألواح الطباشير، ويحدّثونها كل ساعة بينما تصل البضائع وتختفي بالسرعة نفسها.

لقد أصبح الطابور الصورة المميزة لهذا الشتاء. يقف الأوكرانيون في الصفوف لساعات، في درجات حرارة متجمدة، وأنفاسهم تشكّل سحبًا صغيرة في الهواء، منتظرين فرصة شراء بضعة أشياء ثمينة. لا تدافع ولا تزاحم، بل تضامن صامت صبور وُلد من المعاناة المشتركة. وفي هذه الطوابير، يصبح الغرباء جيرانًا، والجيران أصدقاء، تربطهم معًا قناعة هادئة بأنهم جميعًا يخوضون المعركة نفسها ضد البرد والفراغ.

ومع ذلك، حتى في هذا المشهد الكئيب، ثمة تحدٍّ. فالطوابير ليست مشاهد يأس بل مشاهد صمود. النساء يحكنّ وهنّ ينتظرن. والرجال يتقاسمون حكايات عن أيام أفضل. والأطفال، الملفوفون حتى لا يكادوا يُعرفون، يلعبون ألعابًا صغيرة في الثلج. ويبدو أن الروح الإنسانية ترفض الاستسلام لحسابات الشحّ. فهي تجد الدفء في الرفقة، والأمل في الفكاهة، والقوة في فعل الحضور البسيط، يومًا بعد يوم، للمحاولة من جديد.

الصمود وسط الركام

إذا كان ثمّة درس واحد يعلّمنا إياه هذا الشتاء، فهو أن الصمود ليس صفة سلبية بل اختيار يومي فعّال. ففي جميع أنحاء أوكرانيا، استجابت المجتمعات لانهيار البنية التحتية ببناء بنيتها الخاصة. فالمخابز المحلية التي فقدت أفرانها تخبز الخبز الآن في أفران طينية مؤقتة في الساحات. والأسر التي تملك مولدات كهربائية حوّلت بيوتها إلى محطات شحن لبنايات سكنية كاملة. والمزارعون، المعزولون عن سلاسل الإمداد التجارية، أحيوا شبكات مقايضة قديمة، يبادلون الخضراوات بالوقود، والحليب بالدواء.

لقد لعبت المساعدات الدولية دورًا حاسمًا، لكنها لا تستطيع أن تحل محل البراعة الشعبية العفوية لسكان يرفضون أن يُكسروا. فالمولدات تدندن في الأقبية، حيث يدير المتطوعون عيادات مؤقتة ومحطات تدفئة. وتظهر الألواح الشمسية على أسطح المباني المقصوفة، كأعلام صغيرة للمقاومة ضد الظلام. وكل شمعة تُضاء، وكل بئر يُحفر، وكل وجبة تُتقاسم، هو فعل تمرد هادئ ضد القوى التي سعت إلى تجميد هذه الأمة حتى تستسلم.

التكلفة الإنسانية للشتاء

لكن يجب ألا نرسم لهذا الصمود صورة رومانسية، فالتكلفة الإنسانية هائلة ومتزايدة. فخلف كل إحصائية عن بنية تحتية متضررة، ثمّة أسرة تأكل طعامًا باردًا في شقة مظلمة. وخلف كل رقم عن أسعار المياه، ثمّة طفل تعلّم أن يقتصد في عطشه. وخلف كل تقرير عن انهيار اللوجستيات، ثمّة امرأة مسنّة لم ترَ أحفادها منذ أشهر لأن الطرق بينهم لم تعد موجودة.

لقد حذّرت منظمة الصحة العالمية من العواقب الصحية لشتاءٍ بلا تدفئة موثوقة ولا ماء ولا تغذية. فالبرد ليس مجرد إزعاج؛ إنه قاتل، خاصة للصغار جدًا والكبار جدًا. والمستشفيات، التي تضررت هي الأخرى بفعل الضربات، تكافح للعمل دون كهرباء منتظمة. ويجري الأطباء العمليات الجراحية على ضوء المصباح اليدوي. وتدفئ الممرضات السوائل الوريدية على المدافئ. إن بنية الرعاية، مثل بنية التجارة، دُفعت إلى حافة الانهيار.

ومع ذلك، حتى هنا، في أحلك زاوية في هذا الموسم المظلم، ثمّة ضوء. فالأطباء الأوكرانيون ما زالوا يحضرون إلى نوبات عملهم. والمعلّمون الأوكرانيون ما زالوا يعقدون الدروس في الملاجئ. والآباء والأمهات الأوكرانيون ما زالوا يجدون طرقًا لرسم الابتسامة على وجوه أطفالهم. هذا ليس سذاجة؛ إنه حب الحياة الشرس العنيد الذي يحدد هوية أمة تحت الحصار. إنه إدراك أن الاستسلام يعني منح الشتاء النصر، وهذا استسلام لا يرغب أي أوكراني في تقديمه.

خاتمة: موسم البقاء

بينما يستمر الثلج في التساقط وتستمر درجات الحرارة في الانخفاض، تواجه أوكرانيا أقسى شتاء لها حتى الآن. فتسعون في المئة من البنية التحتية لمستودعات التجزئة متضررة. والماء يكلّف ثروة. واللوجستيات انهارت. والرفوف فارغة، والطوابير طويلة. وبأي مقياس عقلاني، يجب أن يكون هذا موسم يأس.

لكن الشتاء ليس مجرد موسم برد؛ إنه أيضًا موسم حساب، وقت نكتشف فيه معدننا الحقيقي. وما أوكرانيا مصنوعة منه، كما كشف هذا الشتاء، شيء استثنائي. إنها مصنوعة من جيران يتقاسمون آخر جرة ماء لديهم. ومصنوعة من خبّازين يعيدون بناء أفرانهم من الركام. ومصنوعة من أطفال يضحكون في الثلج رغم كل شيء. ومصنوعة من شعب يفهم، بوضوح لا يمنحه إلا الشدائد، أن أثمن بنية تحتية على الإطلاق ليست مصنوعة من الفولاذ والخرسانة، بل من القلوب البشرية.

العالم يراقب، ويجب ألا يشيح بنظره. فهذا الشتاء ليس محنة أوكرانيا وحدها؛ إنه اختبار لإنسانيتنا الجماعية. فكل شحنة مساعدات، وكل عمل تضامني، وكل صوت يرتفع دعمًا، هو حطب يضاف إلى النار التي تُبقي الأمل حيًّا. وستتحمّل أوكرانيا هذا الشتاء، كما تحمّلت الكثير، لأن التحمّل هو اللغة الأولى لشعبها. لكن لا ينبغي أن يكون التحمّل ثمن الحرية. ولذلك نقف مع أوكرانيا، لا بالتعاطف فحسب، بل بالفعل، عاقدين العزم على ألا تكون الكلمة الأخيرة لهذا الشتاء القارس.


Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Ready to Take Your
Investments to New Heights?

Join investors and Experience the Power of High-Performance Strategies, Robust Security, and Stellar Customer Support.

The new Reserve CryptoCurrency.

Buy and Invest in BRICS Chain.

contact@bricschain.org

Copyright: © 2026 BRICS Chain. All Rights Reserved.