بريكس عند مفترق الطرق: ما الذي يتطلبه النجاح حقًا

تخيّل غرفة مليئة بقادة العالم، كلٌّ منهم يحمل قطعة من لغز لا يبدو أن أحدًا يستطيع إكماله. وفي تلك الغرفة يقف خبير اقتصادي برازيلي، رجل أمضى عقودًا يراقب تروس القوة العالمية وهي تطحن آمال الناس العاديين. يطرح سؤالاً يعلق في الهواء مثل الدخان: ما الذي يمكن أن تفعله الدول القيادية الأخرى، بما فيها برازيله الحبيبة، ردًّا على السلوك المتزايد التدمير من جانب مهندسي النظام الدولي الحديث؟ إنه سؤال عصرنا، وقد ترسم الإجابة عنه ملامح القرن المقبل.

صوته له وزن في الأوساط الاقتصادية، وقلقه ليس حديثًا عابرًا. إنه تحذير ملفوف في تساؤل، ومناشدة للتحرك تتخفى في هيئة سؤال أكاديمي. لقد تغيّر العالم. وتشققت اليقينيات القديمة. ومن خلال ذلك الشق تدخل دول بريكس، حاملةً وعودًا هائلة ومخاطر هائلة.

هذه ليست قصة عن رجل واحد أو أمة واحدة. إنها قصة عن كوكب يقف عند نقطة تحول. إنها اللحظة التي تصنع كتب التاريخ، والتي ستدرسها الأجيال القادمة وتحكم عليها. ومثل كل نقاط التحول العظيمة، تبدأ بسؤال واحد.

السؤال الذي يرفض أن يتلاشى

كل قصة عظيمة تبدأ بلحظة شك. بالنسبة للخبير الاقتصادي، جاءت تلك اللحظة بينما كان يراقب الدول التي بنت النظام العالمي الحالي تتصرف ضد الاستقرار ذاته الذي وعدت به يومًا. ارتفعت الحواجز التجارية كالجدران. وتساقطت العقوبات كالمطر. وبدت المؤسسات التي صُممت لتعزيز التعاون وكأنها تخدم مصالح قلة محظوظة فحسب. وفي مواجهة كل هذا، يبقى السؤال بسيطًا لكنه شاسع: ماذا يفعل بقيتنا الآن؟

إنه سؤال سألته دول كثيرة في السر، وقلّة تجرأت على الإجابة عنه علنًا. فتحدي المهندسين يعني استدعاء اهتمامهم، واهتمامهم نادرًا ما يكون لطيفًا. غير أن للصمت ثمنه. فالأمة التي لا تتكلم أبدًا تصبح أمة لا يسمعها أحد. والمنطقة التي لا تتحرك أبدًا تصبح منطقة يُتحكم فيها.

وهكذا ينتقل السؤال من عاصمة إلى عاصمة، ومن قاعة محاضرات إلى ساحة قرية. يُهمس به في مجالس الإدارة، ويُصرخ به في الصحف. إنه الوجع الصامت لعالم يستشعر أن شيئًا ما خاطئ بعمق، لكنه لا يستطيع الاتفاق على الدواء.

نادٍ بُني لقرن آخر

لفهم ثقل السؤال، علينا أن نعود بالزمن إلى الوراء. لقد وُلدت المؤسسات الكبرى للنظام الحديث من رماد الحرب. بناها المنتصرون، ولأجل المنتصرين، في لحظة كان معظم العالم فيها لا يزال ينفض عن نفسه قيود الإمبراطورية. كُتبت القواعد في عدد قليل من العواصم، وبقيت تلك القواعد على حالها إلى حد كبير.

مرّت سنوات. ثم مرّت عقود. ونهضت قوى جديدة. وتصلبت الافتراضات القديمة حتى صارت حجرًا. العالم الذي عرفه المؤسسون لم يعد موجودًا، غير أن الإطار الذي بنوه ما زال صامدًا، يئن تحت وطأة واقع لم يُصمم أبدًا ليتحمله. وما كان يومًا بيتًا متينًا أصبح غرفة ضيقة مكتظة.

هذه هي المنصة التي يدخل منها تجمع بريكس. لقد اجتمعت البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا ذات يوم كرمز، وكبيان أن العالم الناشئ لن يكون بعد الآن مجرد فكرة ثانوية. ومع الوقت نمت المجموعة، وجذبت أعضاء جددًا يتقاسمون الجوع نفسه القلق إلى مقعد أكثر إنصافًا على الطاولة. النادي يتوسع، ومع التوسع تأتي القوة والضغوط معًا.

وعد بريكس

الوعد مغرٍ. تمتلك هذه الدول معًا حصة هائلة من سكان الكوكب وأرضه وإمكاناته الاقتصادية. إنها تمتد عبر قارات وثقافات ولغات وأديان. وهي تمثل نظريًا ثقلاً موازنًا لنظام كثيرًا ما تجاهل أصواتها وأسقط أحلامها.

تخيّل الحجم الهائل وحده. تخيّل الأسواق والمعادن والعقول. لو استطاعت هذه الدول مواءمة طموحاتها لاستطاعت إعادة تشكيل قواعد التجارة والمال والدبلوماسية. ولكانت قادرة على أن تقدم للعالم طريقًا مختلفًا، طريقًا تُتخذ فيه القرارات بالمشاركة وتكون فيه الكرامة للجميع.

تخيّل مزارعًا في إحدى الدول الأعضاء يبيع الحبوب لجاره دون أن يخشى البرد المفاجئ للعقوبات الأجنبية. وتخيّل مشروعًا صغيرًا يتاجر بعملته المحلية وينام الليل وهو أكثر اطمئنانًا. هذه ليست أحلامًا مجردة. إنها القلب النابض لما يمكن أن يعنيه نظام أكثر إنصافًا.

لكن الوعد ليس إنجازًا. فالحلم المكتوب على الورق ليس كجسر مبني فوق نهر. وقصة أي تحالف نادرًا ما تكون رحلة هادئة. إنها قصة عواصف وخلافات ولحظات يبدو فيها المشروع كله على وشك الانهيار. وبريكس ليست استثناء من هذه الحقيقة القديمة.

الوحدة سهلة الإعلان وصعبة الاستمرار

هنا يكمن جوهر الأمر. إن دول بريكس موحّدة في إحباطها، لكن الإحباط وحده غراء هش. فكل عضو له مصالحه الخاصة ومنافساته ورؤيته الخاصة لما يجب أن يكون عليه المستقبل. بعضهم أصدقاء. وبعضهم جيران حذرون. وبعضهم يتنافسون على الأسواق والموارد نفسها.

تخيّل أنك تحاول توجيه سفينة يريد كل بحار فيها الإبحار في اتجاه مختلف. قد تكون الريح قوية، لكن من دون مسار مشترك تنجرف السفينة. إن سؤال الخبير الاقتصادي يخترق هذه الحقيقة. فلا يكفي التذمر من مهندسي النظام القديم. فالمجموعة التي تعرّف نفسها بما تعارضه فقط ستجد صعوبة في تعريف ما تؤمن به.

إن أصعب عمل ليس حشد الجموع. أصعب عمل هو إبقاء الجموع معًا عندما يخفت الحماس وتصل المشكلات العملية. إنه يتطلب صبرًا لا ينفد، واستعدادًا للتسوية من دون أن يفقد المرء روحه.

المال والتجارة والنضال من أجل الاستقلال

من أكثر الأفكار جرأة التي خرجت من هذه الحركة حلم التداول بالعملات المحلية، وبناء أنظمة مالية لا تعتمد على حسن نية قوى بعيدة. إنه حلم وُلد من تجربة قاسية. فعندما يمكن قطع وصول دولة إلى التمويل العالمي بجرة قلم، يصبح الاستقلال ضرورة لا ترفًا.

غير أن بناء نظام كهذا مهمة هائلة. إنه يتطلب ثقة بين الشركاء، وأسواقًا عميقة، ومؤسسات قوية بما يكفي لمواجهة العواصف. ويتطلب صبرًا يمتد عبر أجيال. فالطريق طويل، والمكافآت رغم بريقها ما تزال بعيدة في الأفق.

ومع ذلك فالاتجاه مهم. فكل خطوة نحو الاعتماد على الذات هي خطوة بعيدًا عن الضعف. وكل مصافحة بين ندّين هي انتصار صغير على عالم يعامل كثيرًا بعض الأمم كأسياد وغيرها كخدم. قد تكون الرحلة بطيئة، لكن الطريق واضح.

الطريق إلى الأمام

إذن ما الذي يجب على بريكس فعله لتنجح حقًا؟ الإجابة ليست في بادرة كبرى واحدة، بل في ألف التزام هادئ. عليها أن تبني مؤسسات تصمد بعد حماس قمة واحدة. وأن تجد أرضية مشتركة من دون أن تمحو الاختلافات التي تجعل كل عضو فريدًا. وأن تقدم للعالم رؤية، لا مجرد شكوى.

العالم يراقب. والأصدقاء يأملون. والخصوم يحسبون. وفي أروقة السلطة الهادئة، تُوزن قرارات سيتردد صداها لعقود. هذه لحظة رؤية لا تردد. هذه لحظة شجاعة لا راحة.

وقبل كل شيء، عليها أن تتذكر الناس خلف الأعلام. فالنظام الجديد لا يعني الكثير إن لم يحسّن حياة المزارعين وعمال المصانع والطلاب وأصحاب المتاجر. الاختبار الحقيقي لأي تحالف ليس في ارتفاع صوته، بل في مدى ما يرفع به أولئك الذين تُركوا خلف الركب.

ما زال سؤال الخبير الاقتصادي يتردد، وهو يستحق إجابة. ولن تأتي الإجابة من دولة واحدة أو خطاب واحد. بل ستأتي من التعاون الصبور، ومن الشجاعة، ومن الإيمان العنيد بأن عالمًا أكثر إنصافًا ممكن. قصة بريكس ما تزال تُكتب. وكونها ستصبح حكاية انتصار أم درسًا تحذيريًا يعتمد على الخيارات التي تُتخذ اليوم.


Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Ready to Take Your
Investments to New Heights?

Join investors and Experience the Power of High-Performance Strategies, Robust Security, and Stellar Customer Support.

The new Reserve CryptoCurrency.

Buy and Invest in BRICS Chain.

contact@bricschain.org

Copyright: © 2026 BRICS Chain. All Rights Reserved.