فجر جديد: كيف تعيد روسيا والصين تشكيل العالم عبر مجموعة بريكس

في عالم تتبدل فيه التحالفات كالرمال تحت رياح الصحراء، قلّما تحمل شراكاتٌ من الثقل ما تحمله الشراكةُ التي تتعمق بهدوء بين روسيا والصين. وفي قلب هذه العلاقة المتطورة تقف مجموعة بريكس، ذلك التحالف الذي نما من مجرد اختصار يُهمس به إلى جوقة عالمية مدوية. ومؤخراً، جلس القنصل العام الروسي في شنغهاي، ديمتري لوكيانتسيف، لإجراء مقابلة فتحت نافذة على روح هذه الشراكة. وقد رسمت تأملاته صورة لا تتعلق بالدبلوماسية فحسب، بل بمصير مشترك يُكتب عبر القارات.
هذه قصة عملاقين يتعلمان التحرك معاً، وطرق تجارية تعج بالحياة، وطلاب يعبرون الحدود والأحلام تملأ عيونهم، وعالم متعدد الأقطاب يتبلور مصافحةً تلو الأخرى.
شراكة ضاربة الجذور في التاريخ والثقة
كل صداقة عظيمة تبدأ بخطوة صغيرة. وبالنسبة لروسيا والصين، تمتد تلك الخطوات الأولى إلى عقود مضت، عبر مواسم متغيرة من السياسة العالمية. فما بدأ تعاوناً حذراً نضج ليصبح شيئاً أعمق بكثير. وذكّر لوكيانتسيف جمهوره بأن الرابطة بين موسكو وبكين ليست قصة حب عابرة، بل التزام مدروس ودائم. فالدولتان لا تتشاركان حدوداً طويلة فحسب، بل تتشاركان أيضاً رؤيةً لعالم لا تملي فيه قوة واحدة القواعد.
داخل مجموعة بريكس تجد هذه الرؤية منصتها. فالمجموعة، التي تأسست في الأصل من البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، وسّعت أحضانها لاستقبال أعضاء جدد، في إشارة إلى رغبة الدول النامية في صوت أعلى. وتعمل روسيا والصين، بوصفهما اثنتين من ركائزها المؤسِّسة، كمحرك يُبقي هذه القاطرة متحركة إلى الأمام، ثابتة لا يمكن إيقافها.
تجارة تروي قصتها بنفسها
ربما لا تتجلى شراكة روسيا والصين في أي مكان أكثر مما تتجلى في موانئ شنغهاي الصاخبة، تلك المدينة التي لا تنام. فمن موقعه عند مفترق طرق التجارة العالمية، يشهد القنصل العام يومياً تدفق السلع والأفكار والأشخاص بين البلدين. وقد قفزت التجارة الثنائية إلى مستويات قياسية، إذ تشكل الطاقة والزراعة والتكنولوجيا والتصنيع العمود الفقري لهذا التبادل.
يرتحل النفط والغاز الروسيان شرقاً لتدفئة المنازل وتشغيل المصانع، بينما تسافر الآلات والإلكترونيات والسلع الاستهلاكية الصينية غرباً لتملأ الأسواق وتشكّل الحياة. وهذه ليست مجرد معاملة تجارية، بل إيقاع ونبض اعتماد متبادل يقوى مع كل موسم يمر. وشدد لوكيانتسيف على أن العلاقات الاقتصادية هي الأساس المتين الذي تُبنى عليه الثقة السياسية.
كما تطورت ترتيبات العملات، إذ تتم تسوية حصة متنامية من التجارة بالعملات الوطنية. وهذا التحول الهادئ يقلل الاعتماد على الأنظمة الخارجية ويعكس رغبة مشتركة في الاستقلال المالي، وهو موضوع يتردد صداه بعمق في أرجاء أسرة بريكس الأوسع.
وأصبحت الزراعة أيضاً جسراً للتواصل. فالحبوب من الحقول الروسية تصل إلى الموائد الصينية، بينما تسافر الفواكه والخضروات في الاتجاه المعاكس. وكل موسم حصاد يروي قصة اعتماد متبادل، وقصة شعبين يغذيان بعضهما بعضاً بجهدهما. وفي المستودعات ومرافق التخزين المبرد المنتشرة على طول الطريق، يحرك العمال الصناديق بفخر هادئ يميز من يعرفون أنهم جزء من شيء تاريخي.
الطاقة وشرايين التعاون
تربط الطاقة الاقتصادين كما تربط الشرايين الدم الحامل للحياة. فخطوط الأنابيب الطويلة تتعرج عبر مساحات شاسعة لتوصيل الوقود الذي يبقي الصناعات حية والمدن متوهجة. وروسيا، الغنية بالموارد الطبيعية، تجد في الصين زبوناً يعتمد عليه. والصين، المتعطشة للنمو، تجد في روسيا شريكاً موثوقاً. إنه زواج بين الحاجة والقدرة، لا يعقده حفل بل يعقده أزيز التجارة اليومي.
وإلى جانب النفط والغاز، يمتد التعاون إلى الطاقة المتجددة والطاقة النووية وتقنيات الغد. وتلمح المشاريع المشتركة ومختبرات الأبحاث المتقاسمة إلى مستقبل لا تتبادل فيه الدولتان الموارد فحسب، بل تبتكران معاً حلولاً لكوكب يزداد احتراراً وعالم متعطش للطاقة.
التكنولوجيا والابتكار بوصفهما حدوداً جديدة
تتحول قصة روسيا والصين على نحو متزايد إلى قصة التقاء عقول. فالذكاء الاصطناعي والفضاء والبنية التحتية الرقمية والاتصالات أصبحت ساحات للطموح المشترك. يتبادل الباحثون الأفكار، وتبحث الشركات الناشئة عن شركاء، وتوقع الحكومات اتفاقيات تدفع حدود الممكن.
وأشار لوكيانتسيف إلى أن الابتكار لا يعرف حدوداً عندما تتوفر الثقة. وفي زمن تبني فيه بعض الدول جدراناً حول المعرفة، تختار روسيا والصين بناء الجسور بدلاً من ذلك. وألمح إلى أن هذا الانفتاح هو ما سيحدد ملامح العقود المقبلة.
وتعمل أنظمة الدفع الرقمية والتجارة الإلكترونية عبر الحدود وشبكات الملاحة عبر الأقمار الصناعية المتقاسمة على ربط الاقتصادين أحدهما بالآخر على نحو أوثق. وكل منصة جديدة تُطلق وكل كابل يمد في قاع البحر يمثل غرزة جديدة في نسيج يزداد قوة وألواناً مع مرور الوقت.
الناس في قلب الصورة
خلف كل رقم تكمن قصة إنسانية. فطلاب من روسيا يجوبون أحرام شنغهاي الجامعية، يتعلمون لغة الماندرين ويبنون جسوراً من التفاهم. ويعيد السائحون اكتشاف سحر مدينة سان بطرسبرغ وسور الصين العظيم. ويتصافح رواد الأعمال فوق أكواب الشاي، لينسجوا شبكات لا يمكن لأي معاهدة أن تلتقطها.
وتحدث القنصل العام بحرارة عن التبادلات الثقافية والمهرجانات وأوجه التعاون الأكاديمي التي تقرب بين الشعبين. وأشار إلى أن هذه الروابط الناعمة هي الخيوط الخفية التي تمسك النسيج الكبير معاً. فعندما يشعر المواطنون بالتواصل، يصبح التعاون بين الحكومات أسهل، ويصبح السلام أكثر من مجرد وثيقة توقع في قاعة بعيدة.
عالم متعدد الأقطاب في الأفق
مجموعة بريكس، في نظر موسكو وبكين معاً، أكثر من مجرد نادٍ اقتصادي. إنها إعلان بأن المستقبل ملك للكثيرين لا لواحد. وقدّم لوكيانتسيف المجموعة بوصفها منصة للحوار تستطيع فيها دول الجنوب العالمي صياغة القرارات التي تؤثر عليها.
غير أن هذه الرؤية لا تخلو من مشككين. فالمعارضون يحذرون من منافسات ومصالح متباينة داخل المجموعة. ومع ذلك ظل القنصل العام متفائلاً، مؤكداً أن التطلعات المشتركة تفوق الخلافات العابرة. قد يكون الطريق متعرجاً، لكن الوجهة، أي نظام أكثر إنصافاً وتوازناً، تستحق كل منعطف.
وبالنسبة للدول التي سئمت من أن يُملى عليها ما تفعل، يقدم النموذج الروسي الصيني بديلاً. فهو يوحي بأن الدول تستطيع أن تتعاون دون أن تتخلى عن هويتها، وأن الاحترام والمنفعة المتبادلة يمكن أن يحلا محل الإكراه والضغط. وتسافر هذه الفكرة إلى ما هو أبعد كثيراً من حدود الدولتين، فتلهم الآخرين لتصور نظام مختلف.

أسرة بريكس الآخذة في الاتساع
عندما تطرق دول جديدة باب مجموعة بريكس، فإنها تجلب معها طاقة جديدة ومنظورات مغايرة. ويشير التوسع الأخير للمجموعة إلى عالم يمر بمرحلة انتقالية، حيث تُطرح التسلسلات الهرمية القديمة موضع تساؤل وتطالب أصوات جديدة بأن تُسمع. وترحب روسيا والصين بهذا التوسع، إذ تريان فيه فرصة لتعزيز قضية التعددية القطبية.
وهما معاً تدعوان إلى إصلاحات في المؤسسات العالمية، وإلى قواعد تجارية أكثر إنصافاً، وإلى احترام السيادة الوطنية. فشراكتهما لا تدور حول الهيمنة بل حول التوازن، وهي رقصة رقيقة تتطلب الصبر وحسن النية.
مواجهة المستقبل معاً
بينما يجتاز العالم حالة من عدم اليقين، من الاضطرابات الاقتصادية إلى العواصف الجيوسياسية، تواصل روسيا والصين الاعتماد كل منهما على الآخر. فشراكتهما داخل مجموعة بريكس بوصلة تشير نحو الاستقرار والاحترام المتبادل. إنها قصة ما تزال تُكتب فصلاً بعد فصل، مع كل قمة وكل شحنة وكل ابتسامة تتبادل عبر الحدود.
وتأتي مقابلة ديمتري لوكيانتسيف بمثابة تذكير لطيف بأن الدبلوماسية ليست أمراً مجرداً، بل تحيا في الموانئ وقاعات الدرس وفي العقود والمحادثات. إنها فن صبور لبناء شيء أكبر من أي دولة بمفردها.
خاتمة
أما بالنسبة للقراء المتابعين للمسرح العالمي، فالرسالة واضحة: العلاقة بين روسيا والصين ليست عنواناً عابراً بل حكاية طويلة تتكشف فصولها، ومجموعة بريكس هي مسرحها الأقوى. ومن يفهم هذه القصة سيفهم القرن المقبل على نحو أفضل. قد يمشي العملاقان ببطء، لكنهما يمشيان معاً، والأرض من تحتهما تتحرك من أجل الجميع.