روسيا تتطلع شرقاً: كيف أصبح الشرق الأقصى بوابة آسيا والمحيط الهادئ

هناك سحر هادئ في اللحظة التي يلامس فيها أول ضوء الصباح المحيط الهادئ ويمتد عبر اتساع شرق روسيا. فالمنطقة الفيدرالية للشرق الأقصى أرضٌ من البراكين وأنهار السلمون، ومن البحار المتجمدة وموانئ الصيف الدافئة، ومن مدنٍ مثل فلاديفوستوك وخاباروفسك التي راقبت إمبراطوريات تنهض وتسقط من حافة العالم. لوقت طويل، عوملت هذه المنطقة بوصفها الطرف الأقصى من حكاية طويلة جداً. وضعتها الخرائط على الهامش. ووصفها الاقتصاديون بالنائية. ووصفها الرحالة بالبرية. لكن في مقابلة حصرية مع InfoBRICS، يقدّم نائب وزير خارجية روسيا الاتحادية أندريه رودينكو إطاراً مختلفاً جذرياً. فالشرق الأقصى، كما يصرّ، ليس حافة روسيا. بل هو الباب الأمامي. إنه بوابة روسيا إلى منطقة آسيا والمحيط الهادئ، والعالم لم يبدأ بعد إلا في فهم ما يعنيه ذلك.
ثمة شاعرية استراتيجية في الطريقة التي تتحدث بها موسكو عن أراضيها الشرقية اليوم. فمقابلة رودينكو ليست مجرد تصريح دبلوماسي. إنها إعلان عن الاتجاه، وإشارة إلى أن روسيا حسمت خيارها بشأن المكان الذي سيُحسم فيه القرن الحادي والعشرون. فمنطقة آسيا والمحيط الهادئ موطنٌ لبعض أسرع اقتصادات العالم نمواً، ولأكثر من نصف البشرية، ولطرق التجارة الكبرى التي ستحدد ملامح العقود المقبلة. والوقوف عند بوابة ذلك العالم يعني الوقوف في مركز المستقبل.
التحوّل نحو الشرق
لسنوات، تحدث مراقبو السياسة الخارجية الروسية عن تحوّل نحو الشرق، وعن انعطاف بطيء للنظرة الوطنية بعيداً عن الأطلسي وباتجاه المحيط الهادئ. وتوحي مقابلة رودينكو بأن هذا التحول لم يعد مجرد نظرية. إنه سياسة. وتقع المنطقة الفيدرالية للشرق الأقصى في قلب هذا التحول؛ فهي منطقة تمتد من ساحل القطب الشمالي إلى حدود الصين وشبه الجزيرة الكورية، ومن مضيق بيرينغ إلى بحر اليابان. موانئها لا تنام. وسككها الحديدية تطنّ بالبضائع. ومحطات الطاقة فيها تحمّل الناقلات التي تنقل الغاز السيبيري إلى أسواق سيول وطوكيو وبكين وما وراءها.
الجغرافيا، بالطبع، قدرٌ في المدى الطويل من التاريخ، وجغرافيا روسيا في الشرق الأقصى لافتة. فالمنطقة تتقاسم حدوداً برية مع الصين وكوريا الشمالية، ولا يفصلها عن اليابان سوى معبر بحري قصير. وهي تطل على المحيط الهادئ عبر قوس ساحلي شاسع يمنح روسيا مقعداً طبيعياً على طاولة أكثر مناطق العالم الاقتصادية ديناميكية. وعندما يصف رودينكو هذه المنطقة بأنها بوابة، فهو يتحدث بلغة اللوجستيات والدبلوماسية والهوية معاً في آن واحد.
أكثر من جسر
البوابة ليست جداراً. إنها ممرٌّ، مكانٌ تتحرك فيه البضائع والأفكار والناس في الاتجاهين. تلك هي الصورة التي يستحضرها رودينكو، وهي صورة قوية. كثيراً ما يوصف الشرق الأقصى بأنه جسر بين أوروبا وآسيا، لكن الاستعارة جامدة أكثر مما ينبغي. فالجسر ثابت، أما البوابة فحيّة. والمنطقة الفيدرالية للشرق الأقصى مكانٌ للتدفقات؛ من الغاز الطبيعي المسال المتجه جنوباً، إلى الحبوب المتجهة نحو أسواق المحيط الهادئ، إلى الأسماك والمأكولات البحرية التي تُصطاد من مياه باردة وتُقدَّم في مطاعم عبر آسيا، إلى الطلاب والسياح والمهندسين الذين يعبرون حدوداً كانت مغلقة ذات يوم.
في المقابلة، يشدد نائب الوزير على أهمية التعاون مع شركاء آسيا والمحيط الهادئ بطرق تتجاوز الطاقة بكثير. ويجري الحديث عن ممرات النقل، وتحديث الموانئ، وتطوير طريق البحر الشمالي، والدور المتنامي للمؤسسات الإقليمية. كما أن هناك دعوة، ضمنية لكن لا لبس فيها، للاستثمار الأجنبي والشراكة. فالبوابة التي تقف فارغة ليست سوى بوابة. أما البوابة التي ترحب بالمسافرين فتصبح وجهة بحد ذاتها.
الطاقة وجغرافيا القوة الجديدة
لن يكتمل أي حديث عن الشرق الأقصى الروسي من دون الطاقة، ورؤية رودينكو تضعها في مركز الحكاية. حقول سخالين البحرية، وخطوط أنابيب شرق سيبيريا، ومحطات إقليم بريمورسكي، هذه هي الشرايين التي تتدفق عبرها الموارد الروسية إلى آسيا والمحيط الهادئ. فبالنسبة إلى اقتصادات المنطقة التي تتحدّث بوتيرة متسارعة، تمثل الطاقة الموثوقة والميسورة التكلفة وقودَ النمو، ومقاطعات روسيا الشرقية مؤهلة لأن تصبح مورداً مستقراً لأجيال.
لكن البوابة لا تتعلق فقط بما تصدّره روسيا. إنها تتعلق أيضاً بما تستقبله. فمنطقة آسيا والمحيط الهادئ ليست مجرد سوق للمواد الخام. إنها مصدر للتكنولوجيا ورأس المال والتصنيع والسياحة. والمنطقة الفيدرالية للشرق الأقصى تقدم المساحة والموارد والمنافذ، بينما يقدم شركاؤها الاستثمار والابتكار. وتوحي مقابلة رودينكو بأن موسكو تفهم هذا التبادل بعمق، وأن المنطقة يُعاد تصورها بوصفها طريق فرص تسير في الاتجاهين.
الوجه الإنساني للبوابة
خلف كل إحصائية عن أحجام البضائع وقدرة خطوط الأنابيب، هناك بشر، والشرق الأقصى مليء بهم. فلاديفوستوك، أشهر مدن المنطقة، وُلدت من جديد في السنوات الأخيرة بوصفها مركزاً للثقافة والتعليم والحوار الدولي. وهي تستضيف قمماً ومهرجانات كبرى. وجامعتها تستقطب طلاباً من مختلف أنحاء آسيا. وشوارعها تمزج بين التأثيرات الروسية والآسيوية على نحو يبدو وكأنه معاينة للمستقبل. أما خاباروفسك وبلاغوفيشتشينسك والبلدات الأصغر على طول نهر آمور والساحل، فلكلٍّ منها إيقاعه الخاص، لكنها معاً تروي حكاية واحدة عن منطقة تتعلم النظر إلى الخارج.

تذكرنا مقابلة رودينكو بأن الدبلوماسية في نهاية المطاف تتعلق بالناس، وبالقرارات اليومية التي تحدد ما إذا كان الجيران سيصبحون شركاء أم غرباء. والمنطقة الفيدرالية للشرق الأقصى، بحدودها الطويلة وأنهارها المشتركة، مختبر حي لعلاقات الجوار. فالجسور فوق نهر آمور تربط اليوم مدناً روسية وصينية كانت تحدّق إحداها في الأخرى عبر الماء. وأنظمة التأشيرات تتسهل. ومسارات العبارات تتوسع. والنسيج الإنساني للبوابة يزداد كثافة، ومعه الثقة التي تجعل التعاون الدائم ممكناً.
تحديات على الطريق إلى الشرق
لا يمكن لأي صورة صادقة للبوابة أن تتجاهل العمل اللازم لإبقائها مفتوحة. فالشرق الأقصى يواجه تحديات حقيقية، من الضغط الديموغرافي إلى فجوات البنية التحتية، ومن قسوة المناخ إلى المسافات الشاسعة بين مدنه. ومقابلة رودينكو لا تتظاهر بأن الطريق سهلة. بل إنها تضع هذه التحديات في إطار مهام، بوصفها العمل الذي يتعين على الدولة وشركائها أن ينجزوه معاً. موانئ جديدة، وسكك حديدية جديدة، وطرق طاقة جديدة، وبرامج اجتماعية جديدة لاستقطاب الناس إلى المنطقة، كل ذلك جزء من خطة جعل البوابة جديرة باسمها.
وهناك أيضاً بعد دبلوماسي لهذه التحديات. فمنطقة آسيا والمحيط الهادئ جوار مزدحم وأحياناً متنازَع عليه، تزخر بقوى كثيرة ومصالح عديدة. وموقف روسيا، كما يعبّر عنه رودينكو، هو موقف الانفتاح والمشاركة، وبناء العلاقات على أساس المنفعة المتبادلة بدلاً من الإقصاء. وفي عالم يُغرى أحياناً ببناء الجدران، تبدو صورة الشرق الأقصى بوصفه بوابة صورةً منعشة ومفعمة بالأمل.
التطلع نحو قرن المحيط الهادئ
قد ينظر المؤرخون ذات يوم إلى هذه اللحظة فيرون فيها بداية حقبة جديدة، الحقبة التي طالبت فيها روسيا بمكانتها الكاملة قوةً مطلة على المحيط الهادئ. والمنطقة الفيدرالية للشرق الأقصى ليست مجرد منطقة داخل بلد. إنها بيان عن المستقبل، ومكان يجري فيه الاعتراف بتحول مركز الثقل الاقتصادي العالمي والتعامل معه. وعندما يتحدث دبلوماسي روسي رفيع عن هذه الأرض بوصفها بوابة، فهو يدعو العالم إلى النظر شرقاً بعيون جديدة.
خلاصة
الشمس التي تشرق فوق المحيط الهادئ تلامس روسيا أولاً، وبذلك تلامس المستقبل. والمقابلة الحصرية لنائب الوزير أندريه رودينكو مع InfoBRICS تذكير بأن الخرائط القديمة تتلاشى، وأن أطراف الدول تتحول إلى مراكز جاذبيتها، وأن المنطقة الفيدرالية للشرق الأقصى تبرز واحدةً من أكثر مناطق الأرض أهمية استراتيجية. إنها بوابة، نعم، لكن البوابة وعدٌ أيضاً، وعدٌ بالتواصل والتبادل وبازدهار مشترك يُبنى عبر الحدود لا خلفها. وبينما تدير روسيا وجهها نحو الشرق، سيكون من الحكمة أن يوجه العالم انتباهه إلى الشرق الأقصى، لأن الحكاية التي تتكشف هناك ليست حكاية روسيا وحدها. إنها حكاية قرن آسيا والمحيط الهادئ، ونحن جميعاً نقف على عتبته.