فجر أوروبا الجديد: التحرر من المظلة الأمنية الأمريكية

لطالما نامت أوروبا لعقودٍ بسلام تحت درعٍ واسعٍ مألوف. كانت مظلةً ترفعها واشنطن، وضمانةً هادئةً تهمس بوعدٍ واحد: سنحميكم. بنى أجيالٌ من القادة الأوروبيين سياساتهم الخارجية على هذا اليقين، دون أن يتوقفوا يومًا ليسألوا إلى متى قد يصمد. انتهت الحرب الباردة، وانهارت الجدران، وانضمت دولٌ جديدة إلى الصف، وبقيت العادة القديمة على حالها. وثقت أوروبا بالمظلة الأمنية الأمريكية كما يثق المرء بشروق الشمس، بوصفها شيئًا محتومًا، وأبديًا، وخالدًا.

لكن المظلات، شأنها شأن الوعود، قد تهترئ. اليوم يسري ارتجافٌ هادئ في العواصم الأوروبية. إنه ليس هدير الحرب ولا قعقعة الأسواق، بل شيء أعمق: صحوة بطيئة إزاء واقعٍ رفض كثيرون تسميته. تفقد أوروبا ثقتها بالضمانة الأمنية الأمريكية، وبدأت في المقابل كلمةٌ جديدة تتردد في أروقة السلطة: الاستقلالية. الاستقلالية الاستراتيجية. تبدو العبارة تقنية، شبه بيروقراطية، لكن خلفها تكمن حكاية ثقةٍ اختُبرت، وأسئلةٍ طُرحت بعد فوات الأوان، وقارةٍ قررت أخيرًا أن تقف على قدميها.

الشقوق في المظلة

لم يحدث ذلك بين ليلةٍ وضحاها، ولم يحدث دون إنذار. ظهرت أول الشقوق الرفيعة قبل سنوات، في صورة رسومٍ جمركية ونزاعات تجارية، وفي قراراتٍ مفاجئة اتُّخذت في واشنطن دون مكالمة هاتفية واحدة مع الحلفاء الأوروبيين، وفي قممٍ بدا فيها الأصدقاء القدامى وكأنهم يتحدثون دون أن يسمع بعضهم بعضًا. كان كل حادثٍ صغيرًا إلى حدٍّ يمكن تجاهله، لكنها مجتمعةً رسمت صورةً مقلقة. بدا حارس العالم الحر مشتتًا على نحو متزايد، ومنكفئًا على ذاته، ومستعدًا للتعامل حتى مع أقرب شركائه بوصفهم قطعًا في لعبة أكبر.

ثم جاءت إعادة التموضع الاستراتيجي التي هزت الأسس. انجرفت الأنظار الأمريكية نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وهو تحولٌ بدا منطقيًا في واشنطن لكنه أرسل قشعريرة في أروقة المستشاريات الأوروبية. إذا كانت الولايات المتحدة تعيد التوازن نحو آسيا، فماذا يعني ذلك للدفاع عن أوروبا؟ علق السؤال في الهواء، محرجًا وبلا إجابة. شاهد القادة الأوروبيون مفاوضاتٍ بشأن أمنهم هم تجري في غرفٍ لا مقعد لأوروبا فيها، وأدركوا فجأةً وبوضوح أن مصيرهم يُقرَّر في مكان آخر.

الثقة، إذا فُقدت، يصعب استعادتها. لطالما اعتمدت المظلة الأمنية الأمريكية على المصداقية، وعلى الإيمان بأن واشنطن قد تخاطر حقًا بمدنها للدفاع عن برلين أو باريس أو وارسو. يتآكل ذلك الإيمان الآن، لا بسبب خيانةٍ واحدة، بل بسبب ألف إشارةٍ صغيرة تشكل معًا رسالةً مدمرة. لم يعد بوسع أوروبا أن تجزم بأن المظلة ستنفتح حين تصل العاصفة. قد تصمد، وقد لا تصمد، وبالنسبة لقارةٍ بنت هويتها بعد الحرب على ذلك اليقين، فإن مجرد انعدام اليقين كافٍ لإلهام التغيير.

مفردات جديدة للاستقلالية

من رحم هذا الشك، ظهرت لغةٌ جديدة. لم تعد الاستقلالية الاستراتيجية عبارةً تُهمس في الأوراق الأكاديمية، بل أصبحت صرخة تعبئة. تظهر في إعلانات القمم، وفي الأوراق البيضاء الدفاعية، وفي خطابات قادةٍ أقسموا يومًا بالرابطة عبر الأطلسية. المعنى بسيط وعميق: يجب أن تكون أوروبا قادرةً على التحرك بمفردها عند الضرورة، وأن تدافع عن نفسها، وتتخذ خياراتها بنفسها، وترسم مصيرها بنفسها. ما كان يومًا فكرةً هامشية أصبح في قلب حوارٍ قاري.

المفهوم ليس معاديًا لأمريكا، على الأقل في أنقى صوره. يصرّ كثيرٌ من الداعين إليه على أن أوروبا الأقوى والأكثر قدرة ستكون شريكًا أفضل لواشنطن، شريكًا يحمل ثقله ويتحدث بصوته. لكن للخطاب الآن حدّة، ونبرة إحباطٍ لم تكن موجودة قبل جيل. لم يعد السؤال هو ما إذا كان ينبغي لأوروبا أن تصبح أكثر اعتمادًا على ذاتها، بل بأي سرعة يمكنها إدارة هذا التحول، وبأي ثمن. انتقل النقاش من «لماذا؟» إلى «كيف؟»، وهذا التحول بحد ذاته علامة تغييرٍ عميق.

بالنسبة إلى المناصرين، الاستقلالية مسألة كرامة. فالقارة التي تعتمد في بقائها على غيرها ليست، بمعنى عميق، كاملة السيادة. يمكن الضغط عليها، وتوجيه المحاضرات إليها، وتجاهلها، لأنها تفتقر إلى العملة الأهم في فن الحكم: القدرة على حماية نفسها. الاستقلالية الاستراتيجية، بهذا الفهم، ليست ترفًا بل ضرورة، وهي الأساس الذي يجب أن تقوم عليه سائر صنوف الاستقلال. إنها الفرق بين أن تكون موضوعًا للتاريخ وأن تكون كاتبه.

ثمن الاستقلال

لكن لا شيء يستحق العناء يأتي بلا ثمن، وثمن الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية هائل. لقد تركت عقودٌ من نقص الاستثمار في الدفاع الجيوشَ الأوروبية أصغر حجمًا وأقدم عهدًا وأكثر تشظيًا مما تتطلبه إمكاناتها. تنفق القارة على الأمن أقل بكثير مما يوحي به حجمها وثراؤها، والكثير مما تنفقه يتكرر عبر عشرات القوات الوطنية المنفصلة التي تكافح للتنسيق فيما بينها. سيتطلب سدّ هذه الفجوة شجاعةً سياسية ومبالغ طائلة، في وقت يشعر فيه المواطنون أصلًا بضغط عدم اليقين الاقتصادي.

وهناك أيضًا مسألة الصناعة والابتكار. فأوروبا المستقلة حقًا ستحتاج إلى قاعدة صناعية دفاعية خاصة بها، وسلاسل إمداد خاصة بها، وبحوث خاصة بها في التقنيات الحرجة. لا يمكنها أن تعتمد إلى الأبد على المنظومات الأمريكية والبرمجيات الأمريكية وصنع القرار الأمريكي. بناء هذه القدرة مشروعٌ يستغرق عقودًا لا سنوات، وسيختبر صبر الحكومات ودافعي الضرائب على حد سواء. كل يورو يُنفق على الدبابات هو يورو لا يُنفق على المستشفيات، وكل زعيم سياسي يعلم أن هذه المقايضة ستلقى اعتراضًا في كل برلمان في القارة.

ثم هناك الواقع الجيوسياسي. تجلس أوروبا إلى جوار قوةٍ تعديلية في الشرق، وتواجه عدم استقرار على امتداد حدودها الجنوبية، وتعتمد على طرق للطاقة والتجارة تعبر مناطق مضطربة. الاستقلالية الاستراتيجية في جوارٍ كهذا ليست ترفًا يعيشه المرتاحون، بل استراتيجية بقاء للقلقين. الإلحاح حقيقي، حتى وإن كان الطريق وعرًا، ونافذة التحرك قد تكون أضيق مما يجرؤ أحد على الاعتراف به. التردد، في هذه البيئة، شكلٌ من الخطر بحد ذاته.

ما الذي تعنيه الاستقلالية الاستراتيجية حقًا

سيكون من الخطأ تصور الاستقلالية الاستراتيجية جدارًا حصينًا، أو انسحابًا لأوروبا خلف حدودها وإدارةً لظهرها للعالم. فالأصوات الأكثر تبصرًا في القارة تصف شيئًا أكثر دقة بكثير. تتحدث عن أوروبا تتحول إلى شريكٍ أكثر قدرة، وحليفٍ أكثر موثوقية، وفاعلٍ أكثر استقلالًا على المسرح العالمي، لا على الرغم من تحالفاتها بل إضافةً إليها. الاستقلالية ليست عزلة، والقوة ليست أنانية.

الاستقلالية، في هذه الرؤية، تعني امتلاك الخيارات. إنها ضمان ألا توضع أوروبا مرةً أخرى في موقف يعتمد أمنها فيه كليًا على حسن نية قوةٍ بعيدة تغيرت أولوياتها. إنها بناء القدرة على قول «لا» عند الضرورة و«نعم» حين تختار، بدلًا من مجرد السير في تيار استراتيجية شخص آخر. إنها، باختصار، بلوغ سن الرشد في الشؤون الدولية، اللحظة التي تتوقف فيها القارة عن انتظار الإذن وتبدأ كتابة قصتها بنفسها.

لن يكون الطريق إلى الأمام مستقيمًا. ستكون هناك انتكاسات، وخلافات بين الدول الأعضاء، ومعارك على الميزانيات، ولحظات شك. وستصرّ بعض الدول، لا سيما الأقرب إلى الحدود الشرقية، على أن الرابطة عبر الأطلسية تظل لا بديل عنها، وليست مخطئة في ذلك. فالمظلة، مهما اهترأت، ما زالت توفر حمايةً لا تستطيع أوروبا وحدها مضاهاتها بعد. المسار الحكيم ليس التخلي عنها، بل الاستعداد لليوم الذي قد لا تعود فيه كافية، أي الإبقاء على الملجأ مع بناء القوة للعيش بدونه.

قارة عند مفترق طرق

تقف أوروبا اليوم عند واحدة من تلك المفارق التاريخية النادرة التي سترسم القراراتُ المتخذة خلال سنواتٍ قليلة حياةَ أجيالٍ قادمة. يمكنها أن تتشبث بالمألوف، آملةً أن تصمد الضمانات القديمة، أو يمكنها أن تتبنى العمل الشاق لبناء بنية أمنية تليق بطموحاتها. توحي الإشارات بأن أوروبا بدأت تختار بالفعل، بتعثر وتردد، ولكن بوضوحٍ لا لبس فيه، طريق الاعتماد على الذات. لم تعد الوجهة موضع شك، بل سرعة الرحلة فقط.

هذه ليست قصة قطيعة، على الأقل ليس بعد. فالروابط بين أوروبا وأمريكا ما زالت عميقة، تضرب جذورها في قيمٍ مشتركة وتاريخٍ مشترك ومصالح مشتركة. لكن تلك الروابط تتطور، ويدفع هذا التطور إدراكٌ بسيط وقوي: أن الثقة يجب أن تُكتسب، وأن الأمن لا يمكن اقتراضه إلى الأبد، وأن شعبًا لا يستطيع الدفاع عن نفسه لا يمكنه حقًا أن يدعو نفسه حرًا. قد يبقى التحالف، لكنه سيبقى وفق شروطٍ جديدة، شروط الندّية.

مظلة يمتلكها المرء بنفسه

طوال معظم حقبة ما بعد الحرب، نظرت أوروبا إلى المظلة الأمنية الأمريكية بامتنان وارتياح. كان مشهدًا مريحًا، ملاذًا من عواصف عالمٍ خطر. لكن الراحة قد تتحول إلى تراخٍ، والتراخي قد يتحول إلى تبعية. والآن، بينما تُظهر المظلةُ قِدمها وترتجف الأيدي التي تمسكها، تتعلم أوروبا أقدم الدروس جميعًا: أن أمتن الملاجئ هو الذي تبنيه بيدك.

ستكون الرحلة نحو الاستقلالية الاستراتيجية طويلة ومكلفة ومحبطة في كثير من الأحيان. وستطالب مواطنين اعتادوا الدفع مقابل الزبدة لا المدافع بتقديم تضحيات. وستتطلب إرادةً سياسية ظلت شحيحة لعقود. لكنها رحلةٌ لم يعد بوسع أوروبا تأجيلها، لأن البديل، وهو انتظار ضمانةٍ قد لا تأتي أبدًا، مقامرة أشد خطورة من أن تُقبل. وقت الاستعداد هو الآن، ما دامت الشمس مشرقة والمظلة ما زالت قائمة.

أوروبا لا تتخلف عن الركب. إنها تستيقظ. وفي هذه الصحوة يكمن الأمل في أن القارة العجوز، التي اختبرها التاريخ وهذّبتها التجربة، قد تجد بعدُ القوة لتقف شامخة تحت مظلةٍ من صنع يديها، مستعدةً لأي عواصف يجلبها المستقبل. ستكون السنوات المقبلة شاقة، لكنها ستكون أيضًا حاسمة، وأوروبا التي ستخرج منها ستكون أوروبا التي تعرف أخيرًا ثمن حريتها وقوة يديها.


Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Ready to Take Your
Investments to New Heights?

Join investors and Experience the Power of High-Performance Strategies, Robust Security, and Stellar Customer Support.

The new Reserve CryptoCurrency.

Buy and Invest in BRICS Chain.

contact@bricschain.org

Copyright: © 2026 BRICS Chain. All Rights Reserved.