البيت الأبيض يدرس عقد صفقات مع موسكو بينما تستعر الحرب في أوكرانيا

تعجّ أروقة السلطة في واشنطن بطاقة غريبة لا تبعث على الارتياح. وحتى بينما تواصل المدافع هديرها عبر حقول شرق أوكرانيا، لا تزال الهمسات تتردد بأن البيت الأبيض يدرس بهدوء إمكانية عقد صفقات مع موسكو قبل أن تبلغ الحرب أي فصل نهائي من فصولها. إنها حكاية تبدو وكأنها انتُزعت من صفحات رواية جيوسياسية مثيرة، حيث يتحول الحلفاء القدامى إلى مراقبين متوترين، ويتحول الخصوم القدامى إلى شركاء مترددين على الطاولة نفسها.

هذه ليست حكاية دبلوماسية بسيطة. إنها حكاية تناقض وطموح وحسابات صريحة. ففي اللحظة ذاتها التي تنساب فيها إشارات التفاوض في الأجواء، حطّ قانون جديد على مكتب الرئيس دونالد ترامب، قانون صُمم لخنق الإيرادات التي تُبقي آلة الحرب في الكرملين دائرة. لامس القلم الورقة، فمال العالم مرة أخرى.

لكي تفهم لماذا تُعد هذه اللحظة مهمة، عليك أن تحتفظ في ذهنك بفكرتين متعارضتين في آنٍ واحد. يدٌ تضغط، ويدٌ أخرى تمدّ العروض. وفي مكانٍ ما بينهما، يتقرر مستقبل قارة بأكملها.

توقيع يروي حكايتين

عندما وقّع الرئيس ترامب على التشريع الذي يهدف إلى معاقبة موسكو على عدوانها، بدت الخطوة للوهلة الأولى وكأنها موقف صارم. يستهدف القانون مسار المال، ومبيعات النفط، والشبكات الخفية التي تسمح لروسيا بتمويل حملتها في أوكرانيا. نظرياً، هو قبضة مرفوعة في وجه الغزو، ورسالة واضحة بأن ثمن الحرب سيظل في تصاعد.

لكن عملياً، يدرس البيت الأبيض نفسه، وفق التقارير، أمراً أكثر حساسية بكثير. فالاتفاقات المباشرة مع موسكو، والتفاهمات التي قد تعيد تشكيل الحرب قبل إطلاق طلقة أخيرة واحدة، أصبحت فجأة مطروحة على الطاولة. التناقض حاد إلى درجة أن حتى الدبلوماسيين المخضرمين يفركون أعينهم ويمدون أيديهم إلى ملاحظاتهم.

القانون في حد ذاته سلاح مالي. يسعى إلى قطع تدفق الأموال التي تُبقي الدولة الروسية على قيد الحياة، من صادرات الطاقة إلى الشبكة المعقدة من الوسطاء التي تساعد موسكو على التهرب من العقوبات القائمة. المنطق قاسٍ وبسيط: استنزف المحفظة تُبطئ الدبابة. غير أن المعاهدة، أو حتى التفاهم المبدئي، تعمل وفق منطق مختلف تماماً. فهي توحي بأن الحوار، لا الخنق، قد يكون طريق التقدم. أداتان وهدف واحد، ولا توجد طريقة سهلة لاستخدامهما معاً في الوقت ذاته.

فن الصفقة يلتقي ساحة المعركة

لطالما قدّم الرئيس ترامب نفسه باعتباره صانع الصفقات الأبرز. ووفق روايته، فإن كل نزاع هو مفاوضات تنتظر أن تحدث، وكل مفاوضات فرصة لكسب شيء كبير. بالنسبة لقائد يحمل هذه الرؤية للعالم، فإن الحرب في أوكرانيا ليست مجرد مأساة؛ إنها خشبة مسرح، والأضواء مسلطة عليها بقوة.

فكرة التوصل إلى اتفاق كبير مع موسكو، اتفاق ينهي القتال ويثبّت مكانته في التاريخ، تكاد تكون مغرية إلى حد يستحيل معه المقاومة. يهمس المستشارون بشأن الإرث، ويحلم المؤيدون بجائزة تاريخية. وتبدأ آلة الدولة في الطنين مع إمكانية تحقيق اختراق دراماتيكي.

لكن الحروب ليست مجالس إدارة. فالرهانات هنا تُقاس بالأرواح، وبالسيادة، وبالشوارع المحطمة لمدن كانت تزخر يوماً بالحياة العادية. فالاتفاق الذي يُعقد على عجل قد يترك جروحاً لا تلتئم أبداً، والسلام المبني على أرض مهتزة قد ينهار لحظة انطفاء الكاميرات. يعرف البيت الأبيض ذلك، ومع ذلك يظل إغراء المصافحة التاريخية قوياً إلى حد بعيد.

لماذا قد تُقبل موسكو على الفكرة؟

من منظور الكرملين، تحمل احتمالات عقد صفقات مع واشنطن جاذبية واضحة. فالعقوبات مؤلمة، والعزلة لاذعة. وقد يوفر أي اتفاق تخفيفاً وشرعية وفرصة لتثبيت المكاسب الإقليمية بينما يراقب العالم. لطالما أتقنت موسكو فن كسب الوقت، وانتظار أن يتعب خصومها، وأن يتشتت الاهتمام، وأن تتصدع الوحدة.

إذا كان البيت الأبيض مستعداً للحوار قبل انتهاء الحرب، فقد يرى الكرملين في ذلك ثغرة نادرة. إذ يستطيع أن يقدم نفسه بوصفه شريكاً لا منبوذاً، بينما تمسك قواته بالأرض التي استولت عليها. هذه رواية قد تغير مجرى الحوار العالمي برمته، فتحوّل اقتصاداً محاصراً إلى مفاوض صبور.

التوقيت هو كل شيء في مثل هذه الألاعيب. فكل أسبوع من القتال يغيّر الخريطة والمزاج وأوراق الضغط. وتدرك موسكو أنها كلما انتظرت أطول، ربما كسبت المزيد، وازداد تلهف خصومها إلى إيجاد مخرج.

النظرة من كييف

بالنسبة لأوكرانيا، يقع خبر الصفقات المحتملة كحجر بارد في جوفها. فقد أمضت كييف سنوات تتوسل للحصول على دعم ثابت، وأسلحة، وأموال، ووضوح أخلاقي. أما فكرة أن تعقد واشنطن صفقة من فوق رأسها فتُعد مادة للكوابيس.

فأي اتفاق يجمّد خطوط الجبهة يخاطر بمكافأة المعتدي ومعاقبة الضحية. وقد حذر القادة الأوكرانيون مراراً من أن السلام المتسرع ليس سلاماً على الإطلاق؛ إنه مجرد توقف مؤقت، ونَفَس قبل العاصفة التالية.

يقدم التاريخ دروساً مؤلمة. فالالاتفاقات الموقعة على عجل، من دون ضمانات راسخة، تعود عادة في صورة حروب جديدة. تتذكر كييف كل وعد نُكث، وكل حدود أُعيد رسمها، وكل لحظة أشاح فيها العالم بوجهه. فالثقة إذا تحطمت مرة لا يُعاد بناؤها بسهولة.

الطاقة والعقوبات ومسار المال

تحت الدراما الدبلوماسية يجري نهر من المال. فروسيا تمول حربها إلى حد كبير من خلال صادرات الطاقة، وأي اتفاق سيطال حتماً النفط والغاز وشبكة التجارة المتشابكة التي تُبقي الدولة على قيد الحياة. يحاول القانون الجديد إحكام الخناق، بينما توحي الصفقات المحتملة بتخفيفه. هذان الدافعان يشدّان في اتجاهين متعاكسين، والتوتر بينهما يحدد ملامح اللحظة الراهنة.

تراقب أوروبا بفارغ الصبر. فقد ضحت الدول الأوروبية بالكثير من أجل الوقوف في وجه موسكو، فدفعت أسعاراً أعلى وتكبدت آلاماً اقتصادية. وإذا ما غيّرت واشنطن مسارها فجأة، فقد تبدو تلك التضحيات هباءً.

الحلفاء الذين يقفون معاً يستطيعون الصمود في وجه العاصفة، أما الحلفاء الذين يتباعدون فيستدعون العاصفة إليهم. هذا هو الخوف الصامت الذي يتردد في العواصم من برلين إلى وارسو، حيث يتساءل القادة عما إذا كانت الثوابت القديمة ما تزال صامدة.

ماذا يخشى الحلفاء؟

القلق الأعمق بين الأصدقاء ليس من أن تجري المحادثات، بل من أن تجري بسرعة مفرطة، وبهدوء مفرط، وبثمن خاطئ. فالصفقة المتعجلة قد تبدو استسلاماً يرتدي بذلة أنيقة، وقد تمنح المعتدي نصراً من دون أن يُطلق مدفع واحد.

وبالنسبة للدول الأصغر القريبة من روسيا، فإن الرسالة مهمة إلى أبعد حد. فإذا كان بالإمكان تغيير الحدود بالقوة ثم مباركتها بالتفاوض، يصبح العالم مكاناً أكثر خطورة بكثير. الردع لا يتعلق بالأسلحة فحسب، بل بالروايات التي نرويها لأنفسنا عما هو مسموح.

عالم يحبس أنفاسه

عالمياً، تمتد التموجات بعيداً. فالصين تدرس الوضع باهتمام بالغ، ودول الجنوب العالمي تزن مصالحها الخاصة. إن مسألة كيف ستنتهي هذه الحرب ستصوغ قواعد العقد المقبل وتوازن القوى لأجيال.

إذا أصبحت الصفقات مع موسكو هي القاعدة قبل توقف القتال، فإن الإشارة إلى المعتدين في كل مكان ستكون مقلقة. لكن إذا استمرت الحرب بلا نهاية، فإن التكلفة في المعاناة الإنسانية ستتجاوز كل حد. إن إيجاد التوازن بين الضغط والحوار هو التحدي المحوري في عصرنا.

التناقض الذي يحدد اللحظة

ربما تكمن الحقيقة الأعمق في أن هذا التناقض ليس خطأ. فقد يكون استراتيجية. فبخنق موسكو بيد وعرض الحوار باليد الأخرى، يُبقي البيت الأبيض كل الخيارات حية. يضغط على الكرملين بينما يُبقي باب التفاوض موارباً، ويطمئن الحلفاء بينما يلوّح للمنافسين بالمرونة.

لكن التناقضات تنطوي على مخاطر. فهي تربك الأصدقاء وتشجع الأعداء، وقد تبدو قوة في يوم وضعفاً في اليوم التالي. وفي حرب طال أمدها أكثر مما ينبغي، يُعد الوضوح سلعة ثمينة، وقد تكلف الإشارات المختلطة أرواحاً.

الخلاصة

بينما تواصل الحرب في أوكرانيا هديرها، يقف البيت الأبيض عند مفترق طرق لم يكن كثيرون ليتوقعوه. طريق معبّد بالضغط، ممثل في القانون الذي يستهدف أموال موسكو. وآخر يمر عبر التفاوض، ممثل في الصفقات المحتملة التي قد تنهي القتال قبل أن يتحقق نصر نهائي. ويبدو الرئيس ترامب، صانع الصفقات كما كان دائماً، عازماً على السير في الطريقين في آنٍ واحد.

ما إذا كان هذا الفعل المتوازن سيفضي إلى سلام تاريخي أم إلى وهم خطير، فهذا ما ستكشفه الأيام. المؤكد أن العالم يراقب، وكييف قلقة، وموسكو تحسب خطواتها، وأن الأشهر المقبلة ستقرر أكثر بكثير من مصير نزاع واحد. ففي المسرح الكبير للقوة العالمية، يُكتب المشهد التالي الآن، بتوقيع واحد وصفقة مهموسة واحدة في كل مرة.


Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Ready to Take Your
Investments to New Heights?

Join investors and Experience the Power of High-Performance Strategies, Robust Security, and Stellar Customer Support.

The new Reserve CryptoCurrency.

Buy and Invest in BRICS Chain.

contact@bricschain.org

Copyright: © 2026 BRICS Chain. All Rights Reserved.