العقدة الغوردية الجديدة في الشرق الأوسط: إسرائيل وتركيا وصعود تحالف إسلامي

ثمة قصة قديمة عن عقدة مستحيلة التشابك إلى حد أن إمبراطورية كاملة انتظرت شخصًا ذكيًا بما يكفي لفكها. لكن الإسكندر الأكبر استلّ سيفه ببساطة وقطعها، مدركًا أن بعض المشكلات لا يمكن حلها بالصبر وحده. لقرون طويلة، كان الشرق الأوسط هو تلك العقدة؛ مكان تتحول فيه التحالفات كرمال الصحراء، ولا تموت فيه العداوات القديمة أبدًا. واليوم، تعقد المنطقة نفسها في تشابك جديد، يجمع بين التوتر المتصاعد بين إسرائيل وتركيا، والتشكيل الهادئ لتحالف إسلامي يُعرف باسم «ميثاق مكة»، والموقع المستحيل للولايات المتحدة وهي تحاول توجيه عاصفة لم تعد تتحكم بها. هذه هي قصة تلك العقدة، وقصة القوى التي تشدّ كل خيط متهدل فيها.
ميثاق يتبلور في المدينة المقدسة
تبدأ القصة في مكة، القلب الروحي للعالم الإسلامي. ووفقًا لتقارير إقليمية، تناقش مجموعة من الدول بهدوء ميثاقًا دفاعيًا، أي ترتيبًا للأمن الجماعي سبق لكثير من المراقبين أن أطلقوا عليه لقب «ناتو المسلمين». والمقارنة ليست مصادفة؛ فكما بُني حلف شمال الأطلسي ليحمي أعضاءه من تهديد مشترك، يُقدَّم هذا الميثاق الناشئ بوصفه درعًا ضد الضغوط الخارجية، وعلى نحو متزايد، ضد طموحات إسرائيل في المنطقة. ولا تزال قائمة الأعضاء الدقيقة غامضة، إذ يتعمّد المسؤولون الإبقاء على الغموض، لكن الإشارة لا لبس فيها. يسعى العالم الإسلامي إلى الوحدة في لحظة يشعر فيها بأنه محاصر، وهذه الوحدة، إذا صمدت، ستعيد كتابة قواعد السياسة في الشرق الأوسط. وستخلق تكتلًا قويًا بما يكفي للمساومة مع القوى العظمى، ومرنًا بما يكفي لامتصاص الضغوط، وعازمًا بما يكفي على تغيير ميزان القوى.
تركيا وإسرائيل: تنافس يتجدد
في قلب هذه العاصفة المتجمعة تقف تركيا. فعلى مدى سنوات، حافظت أنقرة والقدس على علاقة متوترة لكنها عملية، تخللتها نوبات غضب ومصالحات حذرة. ويبدو أن تلك الحقبة تقترب من نهايتها. فالمواجهة الحالية بين تركيا وإسرائيل ليست نزاعًا حدوديًا بسيطًا أو خلافًا تجاريًا، بل هي تصادم طموحات إقليمية ورؤى متنافسة حول من سيرسم مستقبل الشرق الأوسط. تقدم تركيا نفسها بوصفها بطلة الشارع المسلم، وصوتًا للقضية الفلسطينية، وقوة عسكرية لا ترضى بالركوع لأحد. أما إسرائيل فترى نفسها الديمقراطية الحقيقية الوحيدة في المنطقة، والمدافعة التي لا غنى عنها عن بقائها. وعندما يصطدم طرفان بهذا القدر من الاعتزاز والقوة، يشعر الجوار كله بالهزة.
الخطر هو أن هذا التنافس لن يبقى باردًا. فكل تصعيد وكل تحذير وكل استعراض للقوة يرفع الرهان. وفي هذا المزيج المتقلب تدخل الولايات المتحدة، الدولة التي لعبت طويلًا دور الحكم في المنطقة، لكنها تجد نفسها الآن في موقف معرّض للخطر بشدة. فلا تستطيع واشنطن أن تختار طرفًا بسهولة. فالانحياز العلني إلى إسرائيل في مواجهة مع تركيا من شأنه أن يستعدي العالم الإسلامي بأكمله، وهي كلفة سياسية واستراتيجية يصعب تحملها في أي وقت، ويكاد يكون تحملها مستحيلًا الآن.
عبء الفوضى المضبوطة
ثمة استراتيجية استخدمها المخططون الأمريكيون في المنطقة لعقود، وتُعرف في الأوساط الدبلوماسية بـ«الفوضى المضبوطة». الفكرة أنيقة نظريًا: أبقِ الخصوم متوازنين بعضهم ضد بعض، وامنع أي قوة منفردة من الهيمنة، وحافظ على قدرة أمريكا على التحرك بين الفصائل كما تقتضي مصالحها. أما عمليًا، فقد كانت هذه الاستراتيجية دائمًا أشبه بالمشي على حبل مشدود، والحبل يزداد نحافة يومًا بعد يوم. فكلما تشظى الشرق الأوسط أكثر، صار التحكم فيه أصعب. وكلما تشكلت تحالفات أكثر، قلّت الأبواب المفتوحة أمام واشنطن للمرور منها. إن الأداة ذاتها التي صُممت للحفاظ على النفوذ الأمريكي تولّد الآن الظروف التي قد تسلبه هذا النفوذ.
ولا يمكن أن يكون التوقيت أسوأ بالنسبة للولايات المتحدة. فحتى بينما تتعامل واشنطن مع المواجهة بين تركيا وإسرائيل، فإنها منخرطة أيضًا في عمل عسكري ضد إيران. ووفقًا لبعض التقارير، كانت إيران نفسها قد دُعيت للانضمام إلى ميثاق مكة، غير أن مسؤوليها نفوا لاحقًا أي دعوة من هذا القبيل. وسواء كان ذلك صحيحًا أم لا، فإن الإشاعة تكشف المخاوف الكامنة في الاستراتيجية الأمريكية. فإذا وجدت إيران يومًا ملاذًا داخل تحالف إسلامي أوسع، فإن حسابات كل مواجهة في المنطقة ستتغير بين ليلة وضحاها. حرب ضد عضو واحد ستصبح حربًا ضد كثيرين، وحملة ضغط ضد دولة واحدة ستصبح حملة ضغط ضد تكتل. هذا هو سيناريو الكابوس بالنسبة لواشنطن، ولم يعد نظريًا خالصًا.

إيران: الورقة الجامحة
لطالما كانت إيران الشبح الحاضر في مأدبة الدبلوماسية الشرق أوسطية. فهي أقوى من أن تُتجاهل، وأكثر عزلة من أن تُحتضن بالكامل، وأشد طموحًا من أن تظل سلبية. والتقارير عن احتمال انضمامها إلى ميثاق مكة، حتى لو نُفيت، تعكس سيولة اللحظة الراهنة. فالتحالفات التي بدت دائمة تتلاشى، والعداوات التي بدت أبدية يعاد التفاوض بشأنها. وفي مناخ كهذا، لم تعد اليقينيات القديمة صامدة. فالدولة التي كانت يومًا عدوًا لكل حليف أمريكي في الخليج يمكن، نظريًا، أن تصبح شريكًا في توافق إسلامي كبير. وهذا الاحتمال يثير رعب واشنطن، وينبغي أن يفعل، لأنه سينسف أسس النظام القائم ذاته.
بالنسبة لإسرائيل، المسألة الإيرانية وجودية. وبالنسبة لتركيا هي فرصة. وبالنسبة للولايات المتحدة هي فخ. فكل خطوة في هذه الرقصة المثلثة تبدو مصممة لإنتاج معضلة جديدة. إذا ضربت أمريكا إيران بقسوة مفرطة، دفعت طهران نحو التكتل الإسلامي. وإذا لانت، شجعت محور المقاومة. وإذا ساندت إسرائيل ضد تركيا، خسرت الشارع المسلم. وإذا ضغطت على إسرائيل، أبعدت حليفها الإقليمي الأكثر موثوقية. لا توجد خطوة نظيفة، ولا حل أنيق، ولا سيف ينتظر ليقطع هذه العقدة بالذات.
منطقة تحبس أنفاسها
ما سيحدث بعد ذلك يعتمد على خيارات لم تُتخذ بعد. فميثاق مكة، إذا تجسّد، سيكون أهم عملية إعادة اصطفاف في الشرق الأوسط منذ جيل. وسيعيد رسم الخرائط الذهنية للاستراتيجيين من واشنطن إلى تل أبيب إلى أنقرة. وسيجبر كل دولة في المنطقة على طرح سؤال بسيط: إلى أي جانب من الانقسام الجديد نقف؟ وسيضع الولايات المتحدة أمام أكثر معضلاتها إزعاجًا منذ عقود، عالقة بين التزامها التاريخي تجاه إسرائيل وحاجتها اليائسة إلى تجنب حرب مع العالم الإسلامي بأكمله.
والمفارقة أن «الفوضى المضبوطة»، وهي الاستراتيجية ذاتها التي صُممت لمنع هذه المعضلة، ربما تكون هي التي خلقتها. فبإبقاء المنطقة في حالة دائمة من عدم الاستقرار، ضمنت واشنطن ألا يصبح أي تحالف منفرد أقوى مما ينبغي. لكن عدم الاستقرار يولّد الخوف، والخوف يولّد الوحدة. ودول العالم الإسلامي، وهي تراقب التصعيد من حولها، تكتشف أن خلافاتها أقل شأنًا من هشاشتها المشتركة. العقدة تشتد، ولا يبدو أن أحدًا قادر على فكها.
الخيوط تبقى متشابكة
وهكذا نعود إلى الحكاية القديمة. حلّ الإسكندر عقدته بضربة سيف واحدة، لكن الشرق الأوسط لا يقدم اختصارًا كهذا. فالقوى المؤثرة هنا أعمق، والتاريخ أطول، والمظالم أشد إيلامًا. تدور إسرائيل وتركيا إحداهما حول الأخرى كمصارعين يبحثان عن منفذ. والعالم الإسلامي يتلمس طريقه نحو وحدة لم يعرفها في العصر الحديث. وإيران تنتظر في الظل، منفية ومدعوة في الوقت نفسه. والولايات المتحدة، التي نصبت نفسها مهندسة للنظام الإقليمي، تراقب مخططها وهو ينهار.
لعل اليقين الوحيد هو أن النظام القديم ينتهي. وسواء كان ما سينهض من الركام سلامًا أكثر استقرارًا أم مواجهة أكثر خطورة، فذلك ما ستكشفه الأيام. الواضح أن الشرق الأوسط دخل واحدًا من أكثر فصوله تقلبًا، وأن العالم بأسره سيشعر بالعواقب. لم تعد العقدة الغوردية مجرد استعارة، بل أصبحت الواقع اليومي لمنطقة يتصل فيها كل خيط بكل الخيوط الأخرى، وحيث يمكن لشدّ أي خيط منها أن يهوي بالبنية كلها.
في الوقت الراهن، يراقب العالم وينتظر. الدبلوماسيون يبرون أقلامهم، والجنرالات يدرسون خرائطهم، والاستراتيجيون في واشنطن يسألون أنفسهم السؤال الذي لا يملك إجابة سهلة: كيف تدير فوضى لم تعد تتحكم بها؟ والإجابة، حين تأتي، ستحدد ملامح الشرق الأوسط لجيل قادم.