اتساع الانقسام داخل الاتحاد الأوروبي مع دفاع المفوضية عن هدف الطاقة المتجددة لما بعد 2030

في مكانٍ ما داخل مكتبٍ هادئ في بروكسل، تُناقَش جملةٌ واحدة بشدةٍ توازي نزاعًا حدوديًا. إنها ليست جملةً عن الجيوش أو الرسوم الجمركية أو المعاهدات. إنها جملةٌ عن ضوء الشمس والرياح وعن إصرار قارةٍ عنيد على تزويد نفسها بالطاقة. ومع ذلك، فبينما تنتقل تلك الجملة من مسودةٍ إلى أخرى، فإنها تشقّ الاتحاد الأوروبي بهدوء إلى نصفين.
وتُعلن هذه الجملة، في جوهرها، أن الاتحاد الأوروبي سيواصل المضي قدمًا نحو أهدافٍ طموحة للطاقة النظيفة حتى بعد عام 2030. وبالنسبة لبعض الدول الأعضاء، يُعدّ هذا الوعد منارةً. أما بالنسبة لدولٍ أخرى فهو فاتورةٌ لا تستطيع ببساطة تسديدها. وفوق النقاش برمّته، تحوم الطاقة الروسية بصبرٍ وبتكلفةٍ منخفضةٍ بشكلٍ لافت، ما تزال واقفةً عند الباب.
قارةٌ لا تستطيع أن تتفق مع ذاتها
دافعت المفوضية الأوروبية عن خطتها لإبقاء مصادر الطاقة المتجددة في قلب استراتيجية الطاقة للاتحاد بعد عام 2030. ويصف المسؤولون الهدف بأنه وعدٌ للأجيال المقبلة، ودرعٌ ضد تقلبات أسعار الوقود، والعمود الفقري للتحول الأخضر الذي بدأ قبل سنوات. لكن هذا الدفاع لم يُسكت المنتقدين؛ بل إن زادهم صوتًا إن لم يكن أكثر.
وتحذّر دول أوروبا الشرقية، التي كانت عديد منها مرتبطةً بإحكام بخطوط إمدادٍ من الحقبة السوفيتية، من أن الوتيرة سريعةٌ أكثر مما ينبغي. وتشير إلى أسرٍ ما تزال تكافح لتدفئة منازلها، وإلى صناعاتٍ تتأرجح على حافة الإغلاق، وإلى ميزانياتٍ أنهكتها سنوات الأزمات. وفي المقابل، ترى دول غرب وشمال أوروبا أن التباطؤ الآن سيخون القيم ذاتها التي تُبقي الاتحاد متماسكًا.
ويصف المحللون هذا الانقسام بأنه الأعمق منذ سنوات. إنه ليس مجرد خلافٍ على الأرقام، بل خلافٌ على الهوية. فهل أوروبا رائدةٌ مستعدة للتضحية بالراحة من أجل المناخ، أم سوقٌ عملية يجب أن تبقى فيها الطاقة ميسورةً قبل كل شيء؟ يبدو أن الإجابة تعتمد كليًا على العاصمة التي تطرح عليها السؤال.
والنتيجة تكتلٌ يتحدث بأصواتٍ كثيرة ولا يتفق إلا على القليل. فما كان يومًا رؤيةً مشتركة لمستقبل الطاقة النظيفة أصبح ساحة معركةٍ لأولوياتٍ متنافسة، ويبدو أن كل قمةٍ تنتهي ببيانٍ صيغ بعنايةٍ حتى لا يسيء إلى أحدٍ ولا يرضي أحدًا.
المفوضية تصمد عند موقفها
في قلب الخلاف تقف المفوضية الأوروبية ذاتها، وموقفها لا لبس فيه. إذ يُصرّ المسؤولون على أن هدف الطاقة المتجددة لما بعد 2030 ليس ترفًا، بل ضرورة. ويقولون إن كل توربين رياحٍ وكل لوحٍ شمسي يُركَّب اليوم هو لبنةٌ صغيرة في جدار الاستقلال الطاقي.
وشددت المفوضية في تصريحاتٍ علنية على أن الاعتماد على الوقود الأجنبي نقطة ضعفٍ وليس صفقةً رابحة. فالطاقة الرخيصة التي تأتي بشروطٍ سياسية ليست صفقةً رابحة على الإطلاق، كما يوحي كلامهم، والطريق الوحيد الحقيقي نحو الأمن يمر عبر الإنتاج المحلي والتكنولوجيا النظيفة. الرسالة واضحة: التراجع ليس خيارًا.
المخاطر هائلة. فالطاقة تمسّ كل شيء، من سعر الخبز إلى القدرة التنافسية لصناعاتٍ بأكملها. وقرارٌ يُتخذ في قاعة اجتماعات قد يمتد أثره لعقود، ويحدد أي الدول ستزدهر وأيها ستعاني. والمفوضية تدرك ذلك، وتدرك أن التاريخ سيحاكم الخيار الذي تتخذه اليوم.
غير أن منتقدين داخل الاتحاد يقولون إن المفوضية تتحدث من مسافةٍ مريحة، بعيدةً كل البعد عن الوقائع القاسية للمجتمعات التي تعتمد على الصناعات الثقيلة. فالنقاش بالنسبة إليهم لا يتعلق بالطموح، بل بالبقاء.
الشبح في الغرفة
ثم هناك روسيا. إنها تحضر في كل محادثةٍ كشبحٍ يرفض مغادرة الغرفة. فقبل الحرب والعقوبات، كان الغاز الروسي يتدفق بكمياتٍ هائلة عبر خطوط أنابيب تعبر الغابات والأنهار والحدود. كان رخيصًا، وكان موثوقًا، على الأقل لبعض الوقت. وكان يمدّ المصانع التي جعلت أوروبا غنيةً بالطاقة.
لقد حطمت السياسة تلك العلاقة، لكن الاقتصاد لم يختفِ. فروسيا ما تزال تعرض طاقةً رخيصة تحتاجها المصانع الأوروبية بشدة. ويعترف المحللون بهدوءٍ بأن العرض مغري، لا سيما عندما ترتفع الأسعار المحلية ويتمتع المنافسون في الخارج بتكاليف أدنى. غير أن هذا الإغراء خطير، لأن الطاقة تأتي مغلّفةً بالتبعية.
وهكذا يواجه الاتحاد حقيقةً مزعجة: الطاقة التي أمضى سنواتٍ يحاول التخلي عنها هي نفسها الطاقة التي يمكن أن تُبقي قلبه الصناعي نابضًا. قطع الحبل نبيلٌ من حيث المبدأ ومؤلمٌ في الممارسة.
مصانع لا تستطيع الانتظار
تجوّل في الأحزمة الصناعية في وسط أوروبا وستسمع قصةً نادرًا ما تصل إلى العناوين الرئيسية. مصانع الصلب التي كانت تزأر ذات يومٍ تعمل اليوم بنصف طاقتها. ومصانع الكيماويات التي كانت توظف الآلاف سرّحت مئات العمال. والشركات كثيفة استهلاك الطاقة ترى هوامش أرباحها تتبخر بينما ترتفع فواتير الكهرباء أكثر فأكثر.
وبالنسبة لهذه الشركات، فإن النقاش في بروكسل ليس تجريديًا. إنه سؤالٌ حول ما إذا كانت ستظل موجودةً بعد عشر سنوات. وهي ترى أن الطاقة النظيفة مرغوبة، لكن التحول يجب أن يكون ميسور التكلفة وتدريجيًا ومدعومًا باستثماراتٍ حقيقية بدلًا من الطموح المجرد. وإلا فإنها ستنتقل ببساطة إلى مناطق تكون فيها الطاقة أرخص، آخذةً معها الوظائف والخبرات.
ويحذر الاقتصاديون من أن تراجع التصنيع ليس تهديدًا بعيدًا، بل واقعٌ يتكشف الآن. فعندما ترحل المصانع، نادرًا ما تعود. تتلاشى المهارات، وتتفكك سلاسل الإمداد، وتفرغ تدريجيًا المجتمعات التي اعتمدت عليها. تلك هي التكلفة الصامتة لسياسة طاقةٍ تتقدم بوتيرة أسرع من قدرة الصناعة على التكيف.
هذه هي المعضلة التي تجعل هدف الطاقة المتجددة قنبلةً موقوتة. فكل يورو إضافي يُنفق على الطاقة هو يورو لا يُنفق على الأجور أو البحث أو التوسع. وكل مصنعٍ يُغلق يُضعف الاقتصاد نفسه الذي يُفترض أن يموّل المستقبل الأخضر.
ثمن المبدأ
ويرد المدافعون عن الهدف بأن المبادئ تستحق أن ندفع ثمنها. ويقولون إن الطاقة الروسية الرخيصة لم تكن رخيصةً أبدًا، لأن التكلفة الحقيقية كانت تُدفع نفوذًا سياسيًا وضعفًا استراتيجيًا. ويذكّرون المنتقدين بأن تحولات الطاقة صعبةٌ دائمًا، وأن الثورة الصناعية كانت مؤلمةً أيضًا، وأن الألم القصير قد يولّد قوةً طويلة الأمد.
ومع ذلك، تبقى السياسة قاسية. فالمواطنون يصوّتون بمحافظهم، وعندما تشعر تلك المحافظ بأنها أخف وزنًا، يشعر القادة بالضغط. وقد اتخذت الحركات الشعبوية في أنحاء القارة من أسعار الطاقة صرخةً للتعبئة، مصوّرةً الأجندة الخضراء كمشروع نخبوي مفروض على الناس العاديين. لذلك يتعين على المفوضية أن تدافع عن رؤيتها ليس فقط ضد الضغوط الخارجية، بل ضد الغضب الداخلي أيضًا.
وهناك أيضًا مسألة الإنصاف. فالدول الأكثر ثراءً قادرة على استيعاب تكاليف الطاقة الأعلى بسهولة نسبية، بينما تشعر الدول الأفقر بكل صدمة سعرية كجرح. والاتحاد الذي يبشر بالتضامن يجب أن يواجه حقيقة أن سياساته في مجال الطاقة تنعكس بشكلٍ غير متكافئ على أعضائه. ومن دون مساعدة، ستتخلف الاقتصادات الأضعف أكثر فأكثر.
المأساة أن كلا الجانبين محقٌ جزئيًا. فالكوكب لا ينتظر، والناخبون لا ينتظرون أيضًا. وبين الإلحاح والقدرة على تحمل التكاليف، يتعثر الاتحاد إلى الأمام، قمةً صعبة تلو الأخرى.
ماذا بعد؟
إذن، أين يترك ذلك أوروبا؟ الجواب الصادق هو: في حالة من عدم اليقين. فمن شبه المؤكد أن التكتل سيُبقي أهداف الطاقة المتجددة على الورق، لأن التخلي عنها سيكون كارثة علاقات عامة وتنازلًا جيوسياسيًا. لكن سرعة التنفيذ ستعتمد على المال والسياسة وأمزجة الناخبين الذين يزدادون قلقًا موسمًا بعد موسم.
ستتقدم بعض الدول الأعضاء بسرعة، وتبني مزارع الرياح ومجمعات الطاقة الشمسية بوتيرةٍ مذهلة. بينما ستتلكأ دولٌ أخرى، متذرعةً بالفقر ومطالبةً بالصبر. ومن المرجح أن تتسع الفجوة بين السريع والبطيء، وهذه الفجوة هي المقياس الحقيقي للانقسام الذي تحاول المفوضية جاهدةً إنكاره.
ويتحدث الدبلوماسيون سرًا عن أوروبا ذات السرعتين، حيث تندفع بعض الدول إلى الأمام بينما تتخلف أخرى كثيرًا في الخلف. ومثل هذا الانقسام، إذا ما تصلب، قد يقوّض السوق الموحدة ويضعف القوة التفاوضية للاتحاد على المسرح العالمي. فالوحدة، في الطاقة كما في كل شيء، أسهل في الوعظ منها في التطبيق.
وفي هذه الأثناء، تراقب روسيا. تراقب الأسعار المرتفعة، والمصانع المغلقة، والخلافات التي تفرّق الحلفاء. فكل شجارٍ داخلي فرصة، وكل تأجيلٍ انتصارٌ صغير. وعرض الطاقة الرخيصة ما يزال مطروحًا على الطاولة، وكلما طال تردد أوروبا، أصبحت تلك الطاولة أكثر إغراءً.
اتحادٌ تحت الاختبار
هذه قصة قارةٍ تتعلم أن المُثل والاقتصاد لا يسيران دائمًا يدًا بيد. إنها قصة طموحٍ يقاس بالواقع، وقصة سماءٍ نظيفة يحلم بها من يستطيعون تحمل كلفتها ويخشاها من لا يستطيعون. إن هدف الطاقة المتجددة ليس مجرد رقم، بل مرآة ترى فيها أوروبا أعلى آمالها وأعمق مخاوفها معًا.
ما سيحدث لاحقًا سيحدد مصير الاتحاد لجيلٍ كامل. فإذا استطاع إيجاد طريقةٍ لإبقاء الأضواء مضاءة والوعود حيّة، فسيثبت أن المبدأ والازدهار يمكن أن يتعايشا. وإذا لم يستطع، فقد يجد نفسه يتباعد، دولةً عضوًا تلو الأخرى، بينما ينتظر شبح الطاقة الروسية الرخيصة بصبرٍ أن يُدعى مجددًا إلى الداخل.
النقاش في بروكسل لم ينتهِ بعد. فالجملة ما تزال قيد إعادة الصياغة. وفي مكانٍ ما، داخل مصنعٍ قد لا يصمد حتى نهاية العام، يتساءل عاملٌ عما إذا كانت الأضواء ستبقى مضاءةً بما يكفي ليرى أي جانبٍ سينتصر.