مودي في قمة بريكس يحث على إصلاح مجلس الأمن الدولي بينما يجد الجنوب العالمي صوته

ثمة لحظات في التاريخ يتوقف فيها اجتماعُ القادة عن كونه مجرد فرصة أخرى لالتقاط الصور، ويتحول إلى شيء أكثر أهمية بكثير. فعندما وقف رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي لافتتاح قمة قادة بريكس في نيودلهي، بدا الأمر وكأنه واحدة من تلك اللحظات النادرة. كانت القاعة ممتلئة بالترقب، وبالإحباط، وبتصميم هادئ من قِبَل دول انتظرت طويلاً حتى تُسمَع.
لم يُهدر مودي الكلمات. فقد أعلن أن تكتل بريكس بلغ لحظةَ بلوغ النضج، وهي عبارة حملت ثقل كل ما كانت المجموعة تبنيه منذ سنوات. كانت إشارة إلى العالم بأن الجنوب العالمي لم يعد راضياً بالجلوس على طاولة الأطفال بينما تقرر حفنة من الدول القوية قواعد اللعبة.
تلك العبارة الواحدة، «بلوغ النضج»، هي التي حددت إطار القمة بأكملها. لقد رسمت نغمة من الثقة ونفاد الصبر، ومن الفخر والهدف. لم يكن هذا اجتماعاً لإدارة التراجع، بل كان اجتماعاً للمطالبة بمستقبل.
لحظة بلوغ النضج
عادةً ما تنتمي عبارة «بلوغ النضج» إلى الشباب الذين يخطون نحو سن الرشد، ويتحملون المسؤولية، ويطالبون بمكانتهم في العالم. أما إطلاقها على تكتل من الدول فهو خيار جريء ومقصود. إنها تقول إن بريكس قد نضجت، وإن هذا التحالف لم يعد تجربة، ولم يعد شعاراً، ولم يعد فكرة واعدة تنتظر دورها.
وقدّم مودي القمة باعتبارها نقطة تحول في التعاون بين الاقتصادات الناشئة. فقد أمضت البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا سنوات في بناء الجسور فيما بينها، وهذه الجسور أصبحت الآن تشهد حركة عبور حقيقية. فالممرات التجارية تنفتح، ومشاريع التنمية تتشكل، والتنسيق الدبلوماسي يتحول إلى عادة بدلاً من أن يكون حدثاً نادراً.
هناك قصة هنا تتجاوز الاقتصاد. إنها قصة دول كان يُتحدث عنها يوماً، لكن لم يُتحدث إليها قط. فلأجيال، كانت القرارات المتعلقة بالتمويل العالمي وسياسة المناخ والأمن تُتخذ في غرف لم يكن لجزء كبير من العالم فيها مقعد ولا صوت. وبدأت هذه القصة تتغير أخيراً، قمة تلو الأخرى.
وعكست الأجواء في نيودلهي ذلك التغيير. فقد تحدث المندوبون عن البقاء بدرجة أقل وعن النفوذ بدرجة أكبر. وتحدثوا عن صياغة جداول الأعمال بدلاً من مجرد التفاعل معها. بالنسبة للكثيرين، لم تكن لحظة بلوغ النضج مجرد نقطة حوار، بل تجربة معيشة، وشعوراً بأنهم أصبحوا يؤخذون على محمل الجد أخيراً.
خلف كل وفد كانت تقف قصة من الكفاح والطموح. بعض الدول جاءت بحثاً عن الاستثمار، وأخرى جاءت باحثة عن حلفاء، وثالثة أرادت الاعتراف بها، أي إقراراً بسيطاً بأن مخاوفها حقيقية وأن مستقبلها يستحق الاستثمار فيه. وقد منحت القمة جميعَهم سقفاً مشتركاً.
الدفع نحو إصلاح مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة
في صميم رسالة مودي كانت هناك دعوة تردد صداها في قاعات لا تُحصى لكنها نادراً ما لُبّيت. فقد حثّ على الإصلاح العاجل لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الهيئة التي شكّلت السلام والأمن الدوليين منذ منتصف القرن الماضي. فعالم عام 1945 ليس هو عالم اليوم، ومع ذلك فإن بنية الحوكمة العالمية لم تتحرك إلا بالكاد.
لا تزال أفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا ممثلة تمثيلاً ناقصاً في أعلى غرف صنع القرار الدولي. والهند نفسها، التي يؤويها أكثر من مليار نسمة وتُعد من أكبر الاقتصادات على وجه الأرض، لا تزال لا تشغل مقعداً دائماً. كانت حجة مودي بسيطة ويصعب دحضها: إذا تغيّر العالم، فيجب أن تتغير المؤسسات التي تحكمه أيضاً.
كثيراً ما يقول المنتقدون إن الإصلاح بطيء ومعقد، وهم محقون. فتغيير مجلس الأمن يعني الإبحار عبر عقود من المصالح الراسخة والدبلوماسية الدقيقة. لكن البديل هو نظام يفقد مصداقيته مع مرور كل عام. فعندما تفشل المؤسسات في عكس الواقع، يتوقف الناس عن الثقة بها.
الثقة هي العملة التي تُبقي النظام الدولي حياً. فمن دونها تتحول القرارات إلى اقتراحات، وتصبح الاتفاقات هشة. لذلك لم تكن دعوة مودي مجرد مسألة مقاعد على طاولة، بل كانت مسألة استعادة الإيمان بنظام تشعر دول كثيرة جداً بأنه تخلّى عنها.
مشاركة متكافئة للجنوب العالمي
أما الركيزة الثانية في خطاب مودي فلم تكن أقل قوة. فقد طالب بمشاركة متكافئة للجنوب العالمي في صياغة القواعد الدولية. وهذا ليس طلباً للصدقة، بل طلب للإنصاف. إن دول العالم النامي لا تطلب أن تُمنح السلطة، بل تطلب أن تُشرَك في الحوارات التي تقرر مستقبلها.
ويقدم تغير المناخ مثالاً صارخاً. فالبلدان التي أسهمت بأقل قدر في الأزمة هي غالباً الأكثر معاناة من الفيضانات والجفاف وارتفاع منسوب البحار. ومع ذلك، عندما تُكتب قواعد المناخ، كثيراً ما تُطمس أصواتها. والنمط نفسه يتكرر في التجارة والتكنولوجيا والصحة العالمية.
فالجنوب العالمي يُتوقع منه اتباع قواعد لم يسهم في وضعها إلا قليلاً. وقد غذّى هذا التناقض الاستياءَ طوال عقود. وكانت دعوة مودي تذكيراً بأن الشرعية لا يمكن أن تُفرض من أعلى، بل يجب أن تُكتسب من خلال الإدماج، ومن خلال الإصغاء، ومن خلال الشراكة الحقيقية.
القاعدة التي يساهم الجميع في كتابتها هي قاعدة يرجّح أن يحترمها الجميع. وهذا ليس مثالياً بل هو منطق سليم. فعندما يشعر الناس بملكية النظام يدافعون عنه، وعندما يشعرون بالإقصاء يبحثون عن طرق للالتفاف عليه.
لماذا تكتسب بريكس أهمية أكبر من أي وقت مضى
توقيت هذه القمة مهم. فالعالم يعبر فترة من عدم اليقين العميق، تتسم بتحولات في التحالفات وضغوط اقتصادية ورؤى متنافسة للمستقبل. وفي مثل هذه اللحظات، تصبح منصات مثل بريكس أكثر من مجرد نوادٍ دبلوماسية؛ إذ تتحول إلى فضاءات يمكن أن تتجذر فيها أفكار بديلة.
فبالنسبة لأعضائها، تمثل بريكس قوة تفاوضية. فهي توفر وسيلة للتفاوض مع القوى الكبرى من موقع الوحدة بدلاً من العزلة، وتفتح أبواباً لأسواق جديدة وشراكات جديدة، وتخلق منصة يمكن من خلالها إيصال انشغالات الدول النامية إلى جمهور عالمي.
لطالما عومل العالم النامي على مدى عقود باعتباره مجموعة من المشكلات التي ينبغي إدارتها، لا شركاءَ يُتعامل معهم. وتتحدى بريكس هذا المنطق المتعالي، إذ تقول إن الاقتصادات الناشئة قادرة على التعاون وفق شروطها الخاصة، واضعة أولويات تعكس واقعها هي.
وثمة أيضاً قصة ثقافية أعمق تتكشف الآن. فالشباب في مختلف أنحاء آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية يتابعون هذه القمم عن كثب، باحثين عن مؤشرات إلى أن تطلعاتهم مهمة، وأن مستقبلهم يُصاغ معهم لا من دونهم. وعندما يتحدث القادة عن المشاركة المتكافئة، فإن هؤلاء الشباب يصغون.

إنهم يريدون أن يؤمنوا بأن العالم يصبح أكثر انفتاحاً وأكثر عدلاً وأكثر استعداداً لتقاسم السلطة. وأملهم هو الوقود الذي يُبقي هذه الحركة حية. فالقمم قد تأتي وتمضي، لكن الأحلام التي تلهمها قد تدوم لأجيال.
الطريق إلى الأمام
الكلمات التي تُقال في القمة ليست سوى البداية. فالاختبار الحقيقي للحظة بلوغ النضج هو ما يليها. إن إصلاح مجلس الأمن سيتطلب ضغطاً مستمراً ودبلوماسية صبورة، كما أن المشاركة المتكافئة ستتطلب آليات ملموسة لا مجرد خطاب دافئ.
وسيحتاج الجنوب العالمي إلى ترجمة ثقله الاقتصادي المتنامي إلى نفوذ مؤسسي دائم. وهذا يعني بناء تحالفات، وتدريب مفاوضين، والبقاء موحدين حتى عندما تتباعد المصالح. إنه عمل شاق، ولن يحدث بين عشية وضحاها.
ومع ذلك، من الواضح أن شيئاً ما قد تغير. فقد انتقل النقاش من «هل ينبغي أن يحدث الإصلاح؟» إلى «ما مدى السرعة التي يمكن أن يحدث بها؟». وهذا التحول وحده ذو دلالة، إذ يُظهر أن الأصوات التي كانت مهمّشة ذات يوم أصبح من المستحيل تجاهلها الآن.
الطريق إلى الأمام طويلة ومليئة بالعقبات، لكن الاتجاه واضح لا لبس فيه. فكل قمة، وكل بيان، وكل مشروع مشترك يضيف لبنة أخرى إلى صرح يبنيه الجنوب العالمي لنفسه.
الخلاصة
كانت رسالة مودي في نيودلهي، في نهاية المطاف، رسالة عن الكرامة. فقد كانت عن حق كل دولة، كبيرها وصغيرها، في المساهمة في كتابة القواعد التي تحكمنا جميعاً. وهذه رؤية تستحق السعي، وهي قصة لم تبدأ إلا للتو.
نادراً ما يعلن التاريخ نقاط تحوله مقدماً. فهي في الغالب لا تُدرك إلا بعد فوات الأوان، عندما تتحول التغيرات الصغيرة إلى تغيير شامل. وقد تُذكر قمة نيودلهي باعتبارها واحدة من نقاط التحول الهادئة تلك، لحظة بدأ فيها العالم يصغي إلى أصوات طالما تجاهلها.
سوف تُذكر قمة بريكس ليس فقط بما قيل فيها، بل بما مثّلته. لقد وقف تكتل من الدول الناشئة معاً وأعلن أن عصر صنع القواعد من جانب واحد يقترب من نهايته. فالعالم يتغير، والسلطة تنتشر، والجنوب العالمي يبلغ سن النضج، وهو ينوي أن يُسمَع صوته.