من بيشكيك إلى نيودلهي: صياغة مبادرة بريكس للسلام

ثمة لحظات في الدبلوماسية تعيش فيها جملة واحدة أطول من القمة التي أنتجتها. وقد قدّمت بيشكيك مثل هذه اللحظة. فبينما اجتمع قادة منظمة شنغهاي للتعاون لمناقشة الأمن وهندسة القوة المتغيّرة، لم يخطف انتباه العالم قرارٌ بل قناعةٌ عبّر عنها رئيس وزراء الهند بصراحة. هذا ليس عصر حرب. وصلت الجملة دون مبالغات مسرحية. كانت بمثابة نقطة بوصلة موجّهة إلى جيلٍ نسي كيف يقرأ الخرائط دون البحث عن مناطق النزاع. لم تكن الرسالة موجّهة إلى دولة بعينها، بل إلى فكرة المواجهة ذاتها.

والآن يستعد الصوت نفسه لترؤس قاعة مختلفة. ففي 12 و13 سبتمبر/أيلول، ستستضيف نيودلهي رئاسة مجموعة بريكس، ويأمل كثيرون أن تتجاوز طقوس البيانات الرسمية وفرص التقاط الصور. ويرى كاتبُ تأملٍ عميقٍ بعد بيشكيك عتبةً فارقة. ويجادل بأن الهند تملك فرصة نادرة لتحويل ملاحظة مودي إلى مبادرة بريكس منظمة للسلام؛ لا شعاراً، بل فضاءً محدداً يُحمى فيه الحوار، وتُفتح فيه ممرات إنسانية، وتحظى آليات خفض التصعيد بالجدية التي تُخصص عادة لميزانيات الدفاع. ويمكن لوعد بيشكيك أن يتحول إلى سياسة نيودلهي، إذا توفرت الإرادة.

ولكي نفهم سبب أهمية ذلك، فلنتأمل ما آلت إليه مجموعة بريكس. فما بدأ اختصاراً لاقتصادات صاعدة تطوّر إلى شيء ذي أثر. فالبرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا تمثل الآن مطالبةً بأن يعكس النظام العالمي جوقةً أوسع من الأصوات، وقد جعلت العضوية الموسّعة تلك الجوقة أغنى وأكثر تنوعاً. ويختلف الأعضاء، وبعمق في أحيان كثيرة. ومع ذلك يواصلون الجلوس إلى الطاولة نفسها، وتلك هي قوتهم الهادئة. في عالم منشغل ببناء الجدران، يصبح مجرد البقاء في القاعة بياناً بحد ذاته.

هندسة مبادرة السلام

كيف ستبدو مبادرة بريكس للسلام؟ إن الكاتب حريص على الحدود. فهي ليست منافساً للأمم المتحدة، وليست كتلةً معادية للغرب، ولا أداةً لقوة بعينها. بل ستكون منصة تكميلية، وفضاءً مرناً يمكن أن يتحرك فيه حل النزاعات دون الجمود الذي يشلّ الهيئات الأكبر. تخيّل أطراف نزاع يتحدثون تحت تيسيرٍ متحفظ من دولٍ تملك ثقلاً أخلاقياً لكن لا مصلحة مباشرة لها. وتخيّل آلية تنسّق الإغاثة الإنسانية عبر حدود مغلقة، وتتبادل الأسرى، وتختبر وقف إطلاق النار، وتخطو الخطوات الهشّة الأولى نحو الثقة.

هذه أدوات عملية استُخدمت بنجاح في أزمات سابقة حين توفرت الإرادة. وتكمن عبقرية الاقتراح في تواضعه. فهو لا يطلب من بريكس حلّ كل نزاع بين ليلة وضحاها، بل يطلب من المجموعة تهيئة الظروف؛ ظروف للحوار وللتسوية وللإيماءات الإنسانية الصغيرة التي، إذا تكررت بما يكفي، بدأت تشبه السلام. إن مبادرة السلام ليست إعلاناً ضخماً بقدر ما هي بنية تحتية هادئة للأمل.

رئاسة تحمل تكليفاً

تتولى الهند الرئاسة في لحظة استثنائية. فقد تلاشت يقينيات النظام الذي أعقب الحرب الباردة، وتدنت الثقة بين القوى العظمى، وظهرت على المؤسسات القديمة علامات شيخوختها. وترفض الهند أن تُعرَّف بانحياز واحد؛ فهي تتحدث بارتياح مع موسكو وواشنطن، ومع بكين وبروكسل، ومع الجنوب العالمي والغرب. وهذا ليس تردداً، بل استقلال، وهو ما يجعل نيودلهي مضيفةً موثوقةً للسلام. فالوسيط يجب أن يحظى بثقة جميع الأطراف، وقد أمضت الهند عقوداً في كسب تلك الثقة، من بعثات حفظ السلام إلى تقليد الاستقلال الاستراتيجي.

والتاريخان رمزيان. ففي 12 و13 سبتمبر/أيلول تضع الهند في مركز اهتمام العالم، لا بوصفها متفرجة على دراما الآخرين، بل بوصفها مهندسة الطريق إلى الأمام. والنداء مباشر: استخدموا هذه الرئاسة لمنح المجموعة روحاً. فالكتلة التي تُعرَّف بمظالمها وحدها ستظل ظلاً لما يمكن أن تكونه، أما الكتلة التي تُعرَّف بإسهامها في السلام فتصبح لا غنى عنها، وتغدو المكان الذي يلجأ إليه العالم حين تفشل القنوات المعتادة.

الخطوات الإنسانية وقوة الانتصارات الصغيرة

السلام ليس غياب الحرب، بل حضور العدالة والأمان والخبز على المائدة والدواء في العيادة. والمبادرة المقترحة تدرك ذلك؛ فبُعدها الإنساني ليس فكرة ثانوية، بل هو المحرك. فمن خلال إيصال المساعدات وفتح الممرات وجمع شمل الأسر واستعادة الخدمات الأساسية، ستثبت المبادرة قيمتها بعبارات ملموسة. وكل قافلة حبوب تعبر خط جبهة هي مفاوضات مصغّرة، وكل مدرسة تُفتح من جديد في ظل وقف هش لإطلاق النار هي تصويت لصالح المستقبل. هذا هو العمل المضني غير اللامع للسلام الدائم.

وهناك حجة استراتيجية أيضاً. فالعمل الإنساني يبني ثقةً تتحول إلى رصيد سياسي. وحين توصل دولة من بريكس اللقاحات إلى منطقة مزقتها الحرب، فإنها تُظهر أن المجموعة مفيدة، وأن حيادها له قيمة عملية، وأن أعضاءها سيقومون بالعمل الصعب الذي تخلى عنه آخرون. وتتراكم هذه الإيماءات لتكوّن سمعةً كقوة مسؤولة، لا تستطيع أي صور قمة أن تصنعها، وهي تمنح الناس العاديين سبباً للاعتقاد بأن هذه اللقاءات تتعلق بالأرواح لا بالأعلام وحدها.

لا منافساً للأمم المتحدة ولا نادياً معادياً للغرب

قد يكون من السائد تصوير أي مبادرة لبريكس بوصفها تحدياً للغرب، لكن الكاتب يرفض هذا التصوير رفضاً قاطعاً. فمبادرة السلام المبنية على الاستياء ستنهار تحت ثقلها؛ فالهدف هو خفض العداء لا إعادة توجيهه. وإذا بدت المبادرة سلاحاً في يد معسكر ضد آخر، فستفقد مصداقيتها. كما ينبغي ألا توضع في مواجهة الأمم المتحدة؛ فالأمم المتحدة تظل الهيئة العالمية الوحيدة، لكن الشرعية دون مرونة قد تكون قفصاً، إذ تبطئ حق النقض والإجراءات الاستجابات لأزمات لا تنتظر. ويمكن لمنصة بريكس أن تكمّل الأمم المتحدة، فتجرب مقاربات تعود لاحقاً إلى الطاولة الأوسع.

الرؤية رؤية إضافة لا اقتطاع؛ فطاولات الحوار الأكثر أفضل من الأقل. والتجمعات التي تتحمل مسؤولية الأزمات الإقليمية تقوّي نظاماً تُوجَّه فيه كل مشكلة عبر مركز واحد مثقل بالأعباء. وتستطيع بريكس التحدث إلى قوى لا يصل إليها الآخرون، والجلوس في قاعات لا يُرحَّب فيها بغيرها، دون أن تتظاهر بأن أعضاءها متفقون على كل شيء؛ فهم ليسوا كذلك. وهذه الصراحة هي بالضبط ما يجعل المبادرة ذات مصداقية.

الطريق إلى نيودلهي

لا يزال هناك كثير من العمل قبل 12 سبتمبر/أيلول؛ فالتفاصيل يجب صقلها، وهواجس الدول الأعضاء يجب معالجتها، والروابط مع الآليات القائمة يجب رسمها بعناية. وليس أي من ذلك سهلاً، ولا يمكن إنجازه بالخطب وحدها. لكن الأساس قد وُضع؛ فجملة بيشكيك قيلت، والرئاسة مؤمَّنة، وعالمٌ أنهكته الحرب ويتوق إلى قصة مختلفة يراقب. وما تبقى هو الاختيار.

الرئاسة فعلُ سردٍ للقصة، وفرصة لإخبار العالم بما تريد المجموعة أن تكونه. فإذا روت الهند قصة بريكس الجادة في شأن السلام، المستعدة لاستثمار مصداقيتها في ممرات إنسانية ومراقبة وقف إطلاق النار، فإن تلك القصة ستشكل التوقعات؛ ستشكل سلوك الأعضاء ونظرة الغرب وآمال مواطنين أصابهم التشاؤم من وعود الزعماء. والقصص هي الطريقة التي تغير بها الأمم مسارها، والهند تمسك القلم الآن.

نداء يستحق التلبية

هل ستُذكر رئاسة نيودلهي بوصفها تناوباً روتينياً، حاشيةً في سجل اللقاءات المتعددة الأطراف؟ أم بوصفها اللحظة التي تحولت فيها عبارة إلى سياسة، وغريزة إلى مؤسسة، وقررت فيها مجموعة دول أن أقوى ما تصدره ليس النفط أو الحبوب أو التكنولوجيا، بل الفكرة الجذرية القائلة إن السلام ممكن؟ لقد أوضح الكاتب إجابته، وطرح تحدياً أمام القادة في نيودلهي وأمام كل من يراقب ويأمل ويتساءل إن كانت الدبلوماسية ما تزال قادرة على الإدهاش.

ثمة اعتقاد قديم بأن السلام يأتي حين يرهق الأقوياء من الحرب، لكن التاريخ يشير إلى غير ذلك. فالسلام يحدث حين يبني أحدٌ جسراً، أو يفتح باباً، أو يقدم مخرجاً؛ حين تخدم المؤسسات المتألمين لا مصالح القوى. ومبادرة بريكس للسلام التي تخُيلت بعد بيشكيك هي ذلك الجسر وذلك الباب وذلك الطريق للخروج من الطريق المسدود للمواجهة الدائمة. والهند تمسك المفاتيح، وسيُظهر 12 و13 سبتمبر/أيلول إن كانت ستختار استخدامها.

العالم لا يحتاج كتلة أخرى ولا قمة أخرى تتبادل الانتقادات عبر طاولة مصقولة؛ بل يحتاج فضاءً تصمت فيه المدافع مدة كافية لإطعام الأطفال وعلاج الجرحى وإعادة النازحين إلى ديارهم. هذا هو وعد بيشكيك، وهذه هي إمكانية نيودلهي. وإذا أدركها القادة المجتمعون هناك، فلن يكتفوا بترؤس اجتماع، بل سيبدأون العمل على إنهاء عصر الحرب، وهو أنبل عمل يمكن لأي مجموعة دول أن تضطلع به.


Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Ready to Take Your
Investments to New Heights?

Join investors and Experience the Power of High-Performance Strategies, Robust Security, and Stellar Customer Support.

The new Reserve CryptoCurrency.

Buy and Invest in BRICS Chain.

contact@bricschain.org

Copyright: © 2026 BRICS Chain. All Rights Reserved.