بريكس 2026: الجنوب العالمي والأشكال الجديدة للتعددية

في عالمٍ كان يتحرك ذات يوم على إيقاع طبلةٍ واحدة، ينهض الآن إيقاعٌ جديد. فعلى مدى عقود، كانت قصة القوة العالمية تُكتب بلغةٍ واحدة، وتُصاغ في عاصمةٍ واحدة، وتُفرض برؤيةٍ واحدة. لكن هذه القصة تُعاد كتابتها الآن لحظةً بلحظة. فعندما يجتمع قادة دول بريكس حول الطاولة، فإنهم يفعلون أكثر من مجرد تبادل المصافحات والوقوف أمام الكاميرات. إنهم يرسلون إشارةً عاليةً لا لبس فيها إلى المجتمع الدولي بأسره. الرسالة بسيطة لكنها زلزالية الأثر: إن العصر الذي كان فيه صوتٌ واحدٌ يقرر مصير الكثيرين آخذٌ في الأفول، ويحل محله عالمٌ أكثر ازدحاماً وأكثر ثقةً وأكثر تعددية. هذه هي قصة الجنوب العالمي، وقد يكون العام المقبل هو اللحظة التي يصبح فيها صوته عصياً على التجاهل.
إشارةٌ وصلت إلى ما هو أبعد من قاعة القمة
عندما تحدث أعضاء بريكس بصوتٍ واحد، وصل الصدى إلى أروقة واشنطن. ولم يكن ذلك مصادفةً أبداً. فالولايات المتحدة، من خلال سياساتٍ وُلدت بعد الحرب العالمية الثانية، وأهدافٍ استراتيجية سعت إليها عبر عقود، وقراراتٍ اقتصادية امتدت آثارها إلى كل قارة، كانت قد صاغت النظام العالمي لأجيال. وفي السنوات التي أعقبت الحرب الباردة، أصبح ذلك النفوذ شبه منقطع النظير. وقفت قوةٌ عظمى واحدة في المركز، وتعلم بقية العالم أن يدور في فلكها. ولفترةٍ من الزمن، بدا ذلك الترتيب دائماً، بل شبه طبيعي، مثل الجاذبية نفسها.
لكن الجاذبية يمكن أن تتبدل. فعندما تقرر مجموعة من الدول تمثل مليارات البشر أن تبني مركز جاذبيتها الخاص، يشعر النظام بأكمله بقوة الجذب. لم تكن إشارة بريكس صرخة غضب. بل كانت شيئاً أكثر هدوءاً وأعظم أثراً. كانت صوت أبوابٍ تُفتح، وطاولاتٍ جديدة تُجهز، وافتراضاتٍ قديمة تُحال بهدوء إلى التقاعد. لا استعراضات، ولا إنذارات. مجرد بيانٍ ثابتٍ وحازم بأن للعالم أكثر من صوتٍ واحد، وأن بقية البشرية تعتزم استخدام هذا الصوت.
ثقل التاريخ على أكتاف الناس العاديين
تخيل مزارعاً في البرازيل يتابع سعر فول الصويا بعملةٍ ليست عملته. وتخيل صاحب متجرٍ في الهند يشاهد تكاليف الشحن ترتفع لأن قراراً اتُخذ في مكانٍ بعيد غيّر تكلفة الوقود. وتخيل أسرةً في جنوب أفريقيا تخطط لمستقبلٍ تشكله قواعد لم تسهم قط في كتابتها. بالنسبة لهؤلاء الناس، لم يكن النظام العالمي يوماً مفهوماً مجرداً. لقد كان أشبه بالطقس: يصل دون أن يستأذن، ويقرر إن كان الحصاد وفيراً أم أن السنة ستكون عسيرة.
وطوال معظم التاريخ الحديث، كان ذلك الطقس يُصنع في حفنةٍ من الغرف. كانت دول الجنوب العالمي مدعوةً للعيش داخل النظام، لكن نادراً ما دُعيت لتصميمه. كانت أصواتها تُسمع بأدب، ثم كثيراً ما تُوضع جانباً. تلك هي المظلمة الهادئة الكامنة خلف العناوين. إنها ليست غضباً مفاجئاً وُلد بين ليلةٍ وضحاها، بل صبرٌ نفد أخيراً بعد عقودٍ من انتظار الوفاء بالوعود.
فالتاريخ، في نهاية المطاف، لا يكتبه الأقوياء وحدهم. إنما يحمله أيضاً الملايين الذين يعيشون مع عواقب القوة. وعندما يبدأ هؤلاء الملايين في التنظيم، والتجارة، وبناء مؤسساتهم الخاصة، تتغير القصة. وهذا ما يحدث الآن، بهدوءٍ وثبات، عبر القارات.
ما الذي يطلبه الجنوب العالمي حقاً؟
سيكون من الخطأ قراءة صعود بريكس على أنه مجرد تمرد. فهذه ليست قصة هدم العالم، بل قصة توسيعه. إن الدول التي تقف في قلب هذه الحركة لا تطالب بحرق البيت، بل تطالب بمقعدٍ على الطاولة التي تُرسم عندها المخططات.
مطالبهم عملية. إنهم يريدون تجارةً لا تمر دائماً عبر عملةٍ واحدة. ويريدون تمويلاً للتنمية لا يصل ومعه شروطٌ مستحيلة. ويريدون صوتاً حقيقياً في مؤسساتٍ بُنيت قبل أن ينال كثيرٌ منهم استقلاله أصلاً. ويريدون، باختصار، أن يُعاملوا بوصفهم كتّاب مستقبلهم، لا شخصياتٍ ثانوية في قصة شخصٍ آخر.
لهذا السبب تكتسب لغة الجنوب العالمي كل هذه الأهمية. فهي ليست لغة تظلمٍ وحسب، بل لغة طموح. إنها تتحدث عن الطرق والموانئ وخطوط الكهرباء، وعن الطلاب والعلماء ورواد الأعمال الشباب، وعن مستقبلٍ يخص الجميع، لا أولئك الذين وصلوا أولاً فحسب.
أشكال جديدة من التعددية
كانت كلمة التعددية تصف ذات يوم نادياً من القوى المتشابهة في التفكير تتخذ القرارات نيابةً عن الجميع. أما النسخة الجديدة فتبدو مختلفة: أكثر مرونةً وتنوعاً وأكثر استعداداً للاختلاف. فهي لا تشترط أن يتقاسم كل عضو التاريخ نفسه أو السياسة نفسها، بل تشترط فقط إيماناً مشتركاً بأنه لا ينبغي لأمةٍ واحدة أن تمسك القلم نيابةً عن الكوكب بأسره.
ولهذا يبدو صعود عالمٍ متعدد الأقطاب مثيراً ومقلقاً في آنٍ واحد. مثيراً، لأن المزيد من الأصوات يعني المزيد من الأفكار والتجارب والمسارات نحو الازدهار. ومقلقاً، لأن عالماً متعدد المراكز أصعب في التوجيه. لم يعد هناك حكمٌ واحد، بل لم يبق سوى لاعبين، لكلٍّ منهم مصلحة، ولكلٍّ استراتيجية، ولكلٍّ قصة يرويها.
غير أن تلك الصعوبة قد تكون هي المغزى تحديداً. فالعالم الذي لا يمكن التحكم فيه من مكانٍ واحد هو عالمٌ تستطيع فيه الدول الصغيرة أن تتنفس أخيراً. إنه عالمٌ يستطيع فيه أي بلد أن يختار شركاءه دون أن يستأذن أحداً. إنه عالمٌ تتوفر فيه الخيارات، أخيراً. والخيارات، بالنسبة لأممٍ قضت أجيالاً بلا أي خيار، ضربٌ من الحرية.
لماذا تبدو هذه اللحظة نقطة تحول؟
لكل عصرٍ نقاط تحوله، ومعظمها لا يتبين إلا بعد فوات الأوان. معاهدةٌ وُقعت في غرفةٍ هادئة، وعملةٌ اتُفق عليها بعد ليالٍ طويلة من المفاوضات، ومصافحةٌ لم يكن أحد يعتقد أنها ستحدث يوماً. إن صعود الجنوب العالمي ينتمي إلى هذه الفئة: إنه ليس حدثاً واحداً، بل تراكمٌ بطيء لقراراتٍ تغير معاً اتجاه التاريخ.
اقتصادياً، يصعب تجاهل الحسابات. فالدول التي تتجمع تحت هذه الراية تمثل حصةً ضخمة من سكان العالم وموارده وأسواقه النامية. سكانها الشباب تواقون، ومدنها آخذة في التوسع، وشهيتها للتعاون حقيقية. وعندما يعيش هذا القدر الكبير من نمو العالم المستقبلي في الجنوب، يصبح من الغريب الاستمرار في التعامل مع الجنوب بوصفه حاشيةً في الهامش.
وسياسياً، لا يقل التحول وضوحاً. فالدول التي كانت تصطف تلقائياً خلف راعٍ واحد أصبحت الآن تزن خياراتها، وتتاجر مع شركاء كثر، وتنضم إلى تكتلات متعددة، وتتحدث في منتديات شتى. وهذا ليس خيانةً، بل نضج. إنه السلوك الطبيعي لأممٍ بلغت من الثقة ما يجعلها قادرةً على الاختيار.
الطريق أمامنا لن يكون ممهداً
إن الطريق إلى نظامٍ جديد لن يكون خطاً مستقيماً. ستكون هناك احتكاكات وسوء فهم، ولحظاتٌ تشد فيها القوى القديمة بعنفٍ ضد التيار. سيعتبر البعض طموح الجنوب العالمي تهديداً، بينما سيراه آخرون وعداً. أما الحقيقة، كعادتها، فستكمن في مكانٍ ما في الوسط الفوضوي، تشكلها الصبر والمفاوضات لا الشعارات.
المهم أن الحوار نفسه قد تغير. قبل عقدٍ من الزمن، كان السؤال: هل يستطيع الجنوب العالمي أن يتكلم أصلاً؟ أما اليوم فالسؤال: إلى أي مدى سيصغي العالم؟ وهذا التحول، مهما بدا هادئاً، تاريخي. إنه يعني أن خريطة النفوذ تُعاد رسمها، لا بالحرب، بل بالتجارة والحوار وبالرفض البسيط لأن يُتجاهل.
عالمٌ تكتبه أيادٍ كثيرة
إن قصة بريكس لا تتعلق حقاً بقمةٍ واحدة أو بيانٍ واحد. إنها تتعلق بعالمٍ يستيقظ على تنوعه، وبأممٍ كان يُكتب عنها ذات يوم وهي تقرر، أخيراً، أن تكتب عن نفسها. لم تكن الإشارة التي أُرسلت إلى المجتمع الدولي تهديداً للسلام، بل دعوةً إلى سلامٍ أكثر إنصافاً، سلامٍ تبنيه أيادٍ كثيرة لا يدٌ واحدة.
وخلف كل عنوانٍ صحفي قصةٌ إنسانية. طالبٌ يستطيع الآن أن يحلم بالدراسة في الخارج دون أوراقٍ لا تنتهي، ورائد أعمالٍ يستطيع أخيراً البيع في أسواقٍ جديدة، ودبلوماسيٌ يتحدث أخيراً باسم أمةٍ مسموعة. هذه الانتصارات الصغيرة، إذا تضاعفت بملايين المرات، هي المحرك الحقيقي للتغيير.
لذا راقبوا الجنوب العالمي في السنوات المقبلة. راقبوا العملات والممرات والتحالفات. راقبوا الثقة الهادئة لأممٍ توقفت عن انتظار الإذن. فالمستقبل لا يُمنح لهم، بل هم يبنونه لبنةً لبنة، واجتماعاً اجتماعاً، وصوتاً صوتاً.
لم يعد إيقاع القوة العالمية عزفاً منفرداً، بل صار جوقةً جماعية، وهي تعلو أكثر فأكثر.