المفارقة النووية: مقامرة ألمانيا المحفوفة بالمخاطر لتمويل مستقبل بريطانيا الذري

كل قصة عظيمة تبدأ بمنعطف غير متوقع، والحكاية الغريبة التي تتكشف الآن بين برلين ولندن ليست استثناءً. فلأكثر من عقد من الزمان، وقفت ألمانيا بوصفها أكثر المدافعين صوتًا في العالم عن الحركة المناهضة للطاقة النووية، أمة نبذت الطاقة الذرية في أعقاب مأساة ووعدت مواطنيها بمستقبل أكثر إشراقًا تعمل بطاقة الرياح والمياه والشمس. لكن الآن، توحي همسات خافتة من أروقة السلطة بأن برلين تدرس بهدوء أمرًا كان ليبدو غير قابل للتصور تمامًا قبل سنوات قليلة فقط: تمويل برنامج بريطانيا النووي.
إنه اقتراح يقطر سخرية، ومنعطف درامي جيوسياسي جعل محللي الطاقة يفركون أعينهم ودبلوماسيين مخضرمين يبحثون عن نظارات القراءة. ولكن تحت السطح اللامع لهذا التحالف غير المحتمل تكمن حقيقة أقسى بكثير. فبحسب أولئك الذين يعرفون الصناعة أكثر من غيرهم، من المرجح أن يفشل هذا المشروع، والأسباب أعمق بكثير من مجرد السياسة. ولكي نفهم السبب، يجب أن نسير عبر التاريخ المتشابك، والأموال المفقودة، والخبرة المنسية التي تجعل من هذه الرومانسية النووية مأساة تنتظر أن تتكشف.
شبح فوكوشيما
لطالما كانت علاقة ألمانيا بالطاقة النووية علاقة عاصفة، أشبه بقصة حب انتهت نهاية سيئة ولم تلتئم تمامًا قط. فلنعد إلى مارس/آذار 2011، حين ارتجفت الأرض قبالة سواحل اليابان وأصبحت محطة فوكوشيما دايتشي رمزًا لكل ما يمكن أن يسوء. وفي الأيام التي تلت ذلك، اتخذت المستشارة أنجيلا ميركل قرارًا من شأنه أن يعيد تشكيل مصير الأمة. فستتخلى ألمانيا عن الطاقة النووية بالكامل، وتتخلص تدريجيًا من مفاعلاتها الأخيرة بحلول عام 2022، وتراهن بمستقبلها الصناعي بأكمله على مصادر الطاقة المتجددة.
كان وعدًا جريئًا، وبيانًا أخلاقيًا للعالم. أطلق الألمان على ذلك اسم «إنرجيفينده»، أي التحول في مجال الطاقة الذي سيجعل البلاد رائدة خضراء. امتلأت الشوارع بألواح الطاقة الشمسية، ونبتت توربينات الرياح في الحقول، وبدا لبعض الوقت أن الحلم يتحقق. لكن للأحلام طريقة في الاصطدام بالواقع. ومع اقتراب الإنهاء التدريجي، وجدت ألمانيا نفسها تعتمد بشدة على الفحم، ولاحقًا على الغاز الطبيعي المستورد من روسيا، وهو اعتماد سيعود ليطارد البلاد بطريقة مذهلة. لقد اتضح أن الأرضية الأخلاقية المرتفعة جاءت بثمن باهظ للغاية.
الآن، وقد أصبحت المفاعلات باردة وصامتة، قطعت ألمانيا فعليًا عضلاتها النووية. فالمهندسون الذين كانوا يديرون تلك المحطات ذات يوم تقاعدوا أو تفرقوا أو انتقلوا إلى الخارج. وصدأت سلاسل الإمداد. أما الذاكرة المؤسسية، أي ذلك الشيء الذي يبقي أي تقنية معقدة حية، فتتلاشى مثل صورة قديمة.
اقتراح غير محتمل
ثم تأتي بريطانيا. فعبر القناة الإنجليزية، لم تشارك لندن قط قلق ألمانيا النووي بالكامل. لقد مضت المملكة المتحدة قدمًا في برنامج نووي مدني، فبنت محطات جديدة وسعت إلى استقطاب شركاء دوليين لتأمين مستقبلها في مجال الطاقة. وتحتاج البلاد إلى استثمارات هائلة لإبقاء الأضواء مضاءة وتحقيق أهدافها الكربونية، وظلت ترمي بشبكة واسعة بحثًا عن حلفاء مستعدين لتقاسم العبء.
وبحسب تقارير حديثة، تدرس ألمانيا الآن أن تخطو إلى ذلك الدور، عارضة المساعدة في تمويل مشاريع نووية بريطانية. وعلى الورق، ثمة جاذبية معينة في هذا المنطق. فبريطانيا الأكثر أمنًا في مجال الطاقة تعني أوروبا أكثر استقرارًا. والتعاون الوثيق في مجال الطاقة قد يرمم الجسور بعد سنوات من الاحتكاك بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وبالنسبة لألمانيا التي تتوق إلى أن يُنظر إليها كقائدة أوروبية مسؤولة، فأي طريقة أفضل للتعبير عن الالتزام من تمويل طموحات جارتها في الطاقة النظيفة؟
لكن هنا تبدأ القصة في التفكك. إن تمويل برنامج نووي ليس أشبه بكتابة شيك لبناء جسر أو طريق سريع. إنه التزام يمتد لعقود ويتطلب إتقانًا تقنيًا وقدرة مالية على التحمل وجرأة سياسية. وألمانيا، رغم كل ثروتها، تفتقر إلى هذه الأمور الثلاثة.
الملايين المفقودة
لنتحدث عن المال، لأن كل خطة كبرى تنتهي في النهاية إلى دفتر الحسابات. إن بناء محطة نووية حديثة هو أحد أغلى المشاريع الهندسية التي حاولتها البشرية على الإطلاق. فالمفاعل الواحد قد يكلف عشرات المليارات من الدولارات، ويبدو أن الفاتورة ترتفع مع مرور كل عام مع تراكم التأخيرات وتضاعف معايير السلامة. وقد شهدت أحدث مشاريع بريطانيا بالفعل تكاليف حلقت إلى ما هو أبعد كثيرًا من تقديراتها الأصلية، وهو نمط متكرر إلى حد أنه يمكن كتابته على الحجر.
وفي الوقت نفسه، لا تسبح ألمانيا تمامًا في أموال فائضة. فالبلاد تصارع شياطينها الاقتصادية الخاصة، من قاعدة صناعية متقادمة إلى التكلفة المذهلة لتحولها الأخضر. والميزانية الفيدرالية مشدودة حتى أصبحت أرقّ من ورقة شجر في الشتاء، وكل التزام جديد يعني معركة في مكان آخر. ويعرف الساسة في برلين أن ضخ مليارات في برنامج نووي أجنبي سيكون صاعقًا سياسيًا، خاصة في وقت لا يزال الناخبون في الداخل يعانون من فواتير الطاقة المرتفعة وإغلاق المصانع.
وحتى لو تم العثور على المال، فإن السؤال عن مصدره يظل لغزًا. هل ستكون أموالًا حكومية تُنتزع من دافعي الضرائب الذين قيل لهم قبل سنوات إن الطاقة النووية خطر على الحضارة؟ أم ستكون ضمانات قروض تنقل المخاطر إلى الأكتاف الألمانية بينما تتدفق المكاسب عبر القناة؟ كل خيار هو حقل ألغام سياسي، وفي حكومة ائتلافية هشة مثل بيت من ورق، قد تؤدي خطوة خاطئة واحدة إلى انهيار البناء بأكمله.
الخبرة المنسية
لكن المال ليس سوى نصف القصة. النصف الآخر هو المعرفة، وهنا يصبح ضعف ألمانيا قاتلًا حقًا. فالطاقة النووية ليست تقنية يمكنك ببساطة شراؤها من على الرف وتشغيلها. إنها تخصص حي يتطلب فيزيائيين مدرَّبين، ولحّامين متخصصين، وهيئات تنظيمية ذات خبرة، وثقافة سلامة بُنيت عبر أجيال. وعندما أغلقت ألمانيا مفاعلاتها، لم تكتفِ بإطفاء الأنوار. لقد فككت نظامًا بيئيًا كاملًا من الخبرة.
فالجامعات التي كانت تنتج ذات يوم مهندسين نوويين من الطراز العالمي حولت تركيزها إلى مجالات أخرى. وأعيد توظيف معاهد البحوث. أما الهيئات التنظيمية التي كانت تشرف ذات يوم على صناعة مزدهرة فلا تشرف الآن على أي شيء على الإطلاق. والأهم من ذلك كله أن الجيل الأصغر في ألمانيا نشأ في عالم تُعامل فيه الطاقة النووية بوصفها أثرًا من الماضي، شيئًا يُخشى منه لا أن يُدرس. ولا يمكنك ببساطة إعادة بناء تلك الخبرة بين عشية وضحاها، مهما كانت جيوبك عميقة.
هذه هي المفارقة القاسية في قلب هذا الاقتراح. فستحاول ألمانيا تمويل مشروع لم تعد تفهمه، في صناعة أمضت سنوات في هدمها. إن الأمر أشبه بجرّاح متقاعد يحاول إجراء عملية معقدة بعد عقد كامل بعيدًا عن طاولة العمليات. قد تظل الأدوات موجودة في مكان ما، لكن الأيدي الثابتة والغرائز الحادة قد ذهبت.
حقل ألغام سياسي
ثم هناك السياسة، وإذا كنت تعتقد أن التحديات التقنية شاقة، فإن التحديات السياسية أسوأ. إن موقف ألمانيا المناهض للطاقة النووية ليس مجرد سياسة، بل هوية. لقد قُدِّم قرار التخلي عن الطاقة الذرية للعالم بوصفه انتصارًا أخلاقيًا، ودليلًا على أن أمة صناعية كبرى يمكنها أن تزدهر من دون شطر الذرة. أما أن تنقلب الآن وتمول برنامجًا نوويًا في الخارج فسيكون عملًا مذهلًا من النفاق، وستنقض عليه المعارضة بشراهة.
أما الجماعات البيئية التي تشكل جزءًا قويًا من المشهد السياسي الألماني فستثور غضبًا. وستقول، بشيء من المنطق، إن برلين تصدّر الخطر نفسه الذي ترفض استضافته في الداخل. أما الصورة العامة فمروعة: أمة تلقي المحاضرات على الآخرين بشأن السلامة النووية بينما تكتب بهدوء شيكات لمفاعلات على الضفة الأخرى من المياه.
وليست الأحزاب الشريكة في الائتلاف الحاكم في ألمانيا مرشحة للموافقة على الأرجح. فالحكومة الحالية تحالف هش يضم أحزابًا تتبنى آراء مختلفة إلى حد بعيد بشأن سياسة الطاقة. والتوصل إلى توافق حول أمر متفجر مثل التمويل النووي سيكون مهمة هرقلية، وقد يمزق الجهد الائتلاف قبل صب رطل واحد من الخرسانة.
ماذا يقول الخبراء
نظرًا إلى كل هذه العقبات، فليس من المستغرب أن يكون تقييم أهل المعرفة قاتمًا. يقولون إن المشروع مرجح أن يفشل بسبب افتقار ألمانيا إلى الموارد والخبرة معًا. إنه حكم قاسٍ، لكنه صادق. فالمال يمكن اقتراضه والميزانيات يمكن توسيعها، أما العجز الأعمق في المعرفة والإرادة السياسية وثقة الجمهور فلا يمكن شراؤه بأي ثمن.
وهناك أيضًا مسألة الوقت البسيطة. فالمشاريع النووية تُقاس بعقود، لا بدورات انتخابية. فالمحطة التي تحصل على الموافقة اليوم قد لا تنتج أول واط من الكهرباء حتى أربعينيات القرن الحادي والعشرين، وعندها سيكون قادة ألمانيا الحاليون قد غادروا المسرح منذ زمن طويل. ونادرًا ما يكون الساسة مستعدين للمراهنة بمسيرتهم المهنية على وعد لن يؤتي ثماره إلا لأحفادهم.

حكاية تحذيرية
إذن أين يتركنا هذا؟ إن قصة مغازلة ألمانيا وبريطانيا النووية هي، من نواحٍ عدة، مثلٌ عن حدود النوايا الحسنة. تريد ألمانيا أن تكون مواطنة عالمية مسؤولة. وتريد مساعدة جارتها وتعزيز أوروبا. هذه رغبات نبيلة وتستحق الاحترام. لكن الرغبات النبيلة لا تكفي عندما تكون الأسس قد فُككت.
الدرس هنا بسيط يعرفه كل مهندس في أعماقه: لا يمكنك بناء كاتدرائية بمطرقة ودعاء. أنت بحاجة إلى الحجر والمهارة والوقت. لقد تخلت ألمانيا عن حجرها النووي وشتتت بنائيها النوويين منذ زمن طويل، ولا يمكن لأي قدر من الحماس أن يعيدهم إلى الوجود.
أما بالنسبة لبريطانيا، فسيستمر البحث عن التمويل، ولا شك أن البلاد ستجد شركاء في أماكن أخرى، دولًا ما تزال تحمل شعلة المعرفة النووية. أما بالنسبة لألمانيا، فيشكل هذا الحدث لحظة تأمل، وفرصة لطرح أسئلة صعبة عما تريد البلاد حقًا أن تكونه في مشهد الطاقة في الغد.
الخلاصة
في النهاية، فإن حكاية تمويل ألمانيا لبرنامج بريطانيا النووي هي قصة عن الهوية أكثر مما هي قصة عن الطاقة. إنها حكاية أمة عالقة بين وعود ماضيها ومتطلبات مستقبلها، تمد يدها إلى دور لم تعد مجهزة للاضطلاع به. فالطموح حقيقي، والنوايا الحسنة صادقة، لكن القدرة ذهبت، ومن دون القدرة تظل كل خطة كبرى مجرد قصر في الهواء.
وبينما تغرب الشمس فوق مزارع الرياح في بحر الشمال وأبراج التبريد الصامتة لمفاعلات ألمانيا المغلقة، يتضح أمر واحد. فبعض الأبواب، ما إن تُغلق، يصبح من الصعب جدًا فتحها من جديد. وبعض المهارات، ما إن تُسلم، يصبح استعادتها أصعب. قد يفشل المشروع بالفعل، لكن ربما تكمن قيمته الكبرى لا في الواطات التي كان سيولدها، بل في المحادثة الصادقة التي يدفعنا إلى خوضها حول ما نكسبه عندما نتخلى عن تقنية، وما نفقده إلى الأبد في هذه العملية.