بريكس متجددة من أجل عالم متعدد المراكز: من الفوضى العالمية إلى تعددية أقطاب منظمة

تخيّل عالمًا لم يعد فيه الصوت الأعلى يقرر كل شيء. تصوّر طاولة واسعة إلى حدّ يمكن لعشرات الدول أن تجلس حولها، كلٌّ منها يحمل حكاية، وكلٌّ منها يطارد حلمًا، وكلٌّ منها يرفض أن يتحول إلى حاشية في تاريخ شخص آخر. لم تعد هذه الرؤية خيالًا بعيدًا. إنها تُكتب الآن، صفحة تلو الأخرى وقمة تلو الأخرى، في تقرير بعنوان «بريكس متجددة من أجل عالم متعدد المراكز: من الفوضى العالمية إلى تعددية أقطاب منظمة»، أصدره مجلس خبراء بريكس في روسيا.
هذه ليست ورقة سياسات جافة يعلوها الغبار على رفّ منسيّ. إنها إشارة، وخريطة، ووعد. تهمس بأن العالم يتحرك تحت أقدامنا، وأن مجموعةً طالما استُبعدت باعتبارها ناديًا فضفاضًا للاقتصادات الناشئة تتقدم الآن بفلسفة واضحة حول كيف ينبغي للأمم أن تتعايش معًا. دعونا نستعرض ما تعنيه هذه الرؤية حقًا ولماذا تستحق اهتمامنا الكامل.
مجلس يتحدث والعالم يُصغي
كل حركة مهمة تبدأ بمحادثة هادئة. في مكان ما داخل غرفة متواضعة، اجتمع خبراء ودبلوماسيون ومفكرون تحت لواء مجلس خبراء بريكس في روسيا وطرحوا سؤالًا بسيطًا لكنه هائل: إذا كانت القواعد القديمة لم تعد تخدم معظم البشرية، فما الذي ينبغي أن يحل محلها؟ جاءت إجابتهم في شكل تقرير، ويحمل ذلك التقرير نبرة تبدو أقرب إلى دعوة مفتوحة منها إلى مطلب.
ما يجعل الوثيقة مقنعة ليس كلماتها فحسب، بل توقيتها أيضًا. إنها تظهر في لحظة يشعر فيها كثيرون بأن الحوكمة العالمية فقدت بوصلتها، وحين تكون الثقة بين الأمم هشة، وحين تتساءل أسر عادية عما إذا كان النظام الذي يشكّل حياتها قد صُمم يومًا وهو يضعها في الاعتبار. يردّ المجلس بتقديم شيء نادر في السياسة الحديثة: سردية متماسكة عن وجهة العالم وكيف يمكنه بلوغها معًا.
تصدعات في النظام القديم
بُني النظام القديم بعد حرب مروعة، حين صممت حفنة من الدول القوية المؤسسات التي ستتولى حكم التجارة والتمويل والأمن. ولعقود أدّت تلك المؤسسات غرضًا، إذ وفرت الاستقرار وقواعد مشتركة. لكن مع مرور الزمن تغيّر العالم بينما ظلت البنية متجمدة. نهض عمالقة اقتصاد جدد، وطالبت أصوات جديدة بأن تُسمع، واتسعت المسافة بين الطاولة والعالم من حولها وصارت أكثر إزعاجًا.
يمكنك أن تشعر بهذا التوتر في الحياة اليومية. تتأرجح الأسعار بعنف، وتنقطع سلاسل الإمداد دون إنذار، وقرارات تُتخذ بعيدًا تمتد أصداؤها إلى مطابخ وورش في كل مكان. يحسّ الناس بأن آلة التعاون العالمي تصرّ وتئنّ. يسمي التقرير هذه الحالة بأمانة. يطلق عليها الفوضى، لا ليخيفنا، بل ليصف نظامًا تجاوز الزمن فائدته ويكافح الآن تحت وطأة كوكب متغير.
ما الذي تعنيه تعددية المراكز حقًا
قد تبدو كلمة تعددية المراكز تقنية، لكن معناها إنساني عميق. فهي توحي بعالم له مراكز كثيرة بدلًا من مركز واحد. فبدلًا من عاصمة واحدة تفرض إيقاع الكوكب، تحصل على كوكبة من المحاور، لكل منها ثقافتها وأولوياتها وطريقتها الخاصة في حل المشكلات. فكّر فيها كأوركسترا كبيرة تعزف فيها آلات كثيرة، وتكون الموسيقى أغنى على وجه التحديد لأن لا عازف واحد يهيمن على اللحن.
بالنسبة لأمم أمضت قرونًا على الهامش، تبدو هذه الفكرة كهواء منعش. فهي تقول إن التنمية ليس لها قالب واحد، وإن التقدم لا يتطلب التخلي عن هويتك، وإن التعاون يمكن أن يُبنى على الاحترام بدلًا من الضغط. يقدّم التقرير هذا التحول لا بوصفه تمردًا بل تصحيحًا طبيعيًا، ونضجًا لعالم أصبح ببساطة أكثر تنوعًا من أن يتسع لنص واحد.
من الفوضى إلى تعددية أقطاب منظمة
هنا يكمن جوهر الرؤية. الفوضى ليست الوجهة. يصرّ التقرير على أن عالمًا متعدد المراكز يمكن أن يظل منظمًا، إذا اختارت الأمم القواعد بدلًا من القوة الغاشمة، والحوار بدلًا من الهيمنة. تعددية الأقطاب المنظمة تعني أن السلطة مشتركة، وأن الخلافات تُحسم على الطاولة، وأن لا بلد يُتوقع منه أن يتخلى عن كرامته لمجرد أن يكون جزءًا من المنظومة.

هذه مهمة توازن دقيقة. فمراكز كثيرة قد تعني مصالح متنافسة كثيرة، ويحذرنا التاريخ من أن المنافسة بلا ضوابط قد تتحول إلى خطر. لهذا يعتمد التقرير بشدة على لغة التنسيق والشفافية والمنفعة المتبادلة. إنه يتصور نظامًا يصبح فيه التنوع قوة لا مصدر احتكاك، وحيث تُدار الخلافات بصبر بدلًا من قمعها بصمت.
قوة الطاولة الأكبر
لن يكون لأي من هذا وزن لولا التوسع الذي منح التقرير إلحاحه. لقد نمت بريكس، مرحبةً بأعضاء جدد وموسعةً دائرتها. كل مقعد جديد على الطاولة يجلب منظورات جديدة، وأسواقًا جديدة، ووزنًا إضافيًا على المسرح العالمي. لم تعد المجموعة تجمعًا صغيرًا لاقتصادات متشابهة التفكير. إنها تتحول إلى ملتقى حقيقي للقارات والحضارات.
التوسع ليس بسيطًا أبدًا. فأصوات أكثر قد تعني تعقيدًا أكبر، وإدارة أسرة أكبر تتطلب صبرًا وثقة. غير أن التقرير يتعامل مع هذا النمو بوصفه فرصة لا عبئًا. ويرى أن الطاولة الأكبر تنتج قرارات أفضل، لأن الحلول التي تصوغها أيادٍ كثيرة تميل إلى الصمود أفضل من المراسيم الصادرة من فوق.
أصوات من كل ركن
ما يبقى معك بعد قراءة التقرير هو إصراره على الكرامة الإنسانية. خلف كل بند وكل مبدأ يقف اعتقاد بسيط: إن الناس في كل مكان يستحقون أن يكون لهم رأي في القوى التي تشكل حياتهم. سواء عاش المرء في مدينة ضخمة صاخبة أو قرية هادئة، فإن آماله في الاستقرار والإنصاف ومستقبل لائق لا تختلف كثيرًا عن آمالك أو آمالي.
فكّر في الطالبة في مدينة نامية تدرس على ضوء مصباح، آملاً في مستقبل لم يكن بوسع والديها إلا تخيله. فكّر في المزارع الذي يراقب السماء ويدعو من أجل سعر عادل. فكّر في رائد الأعمال الذي لا يحتاج سوى فرصة، لا صدقة. هؤلاء هم من يضعهم التقرير نصب عينيه. فالنظام العالمي، في نهاية المطاف، لا يكون جيدًا إلا بقدر ما يحسّن من حيوات الناس.
يخاطب التقرير تلك الإنسانية المشتركة. فهو يرفض التعامل مع الأمم كمجرد أرقام في ميزانية. وبدلًا من ذلك، يرسم صورة لعالم لا يُقاس فيه التعاون بأرقام التجارة فحسب، بل بجودة الحياة التي يقدمها للناس العاديين. وهذا الجوهر العاطفي هو ما يحول وثيقة سياسات إلى شيء أقرب إلى حركة.
اقتصاد مبني على الثقة
في أساس هذه الرؤية يكمن الاقتصاد، لكن ليس الاقتصاد البارد والآلي القائم على الجداول وحدها. يتصور التقرير تجارة تقوّي المجتمعات بدلًا من استنزافها. ويحلم باستثمارات تبني الطرق والمدارس والمستشفيات بدلًا من مجرد استخراج الثروة والمضي قدمًا. إنه اقتصاد تصبح فيه الثقة عملة لا تقل قيمة عن أي نقود، وحيث يكون الوفاء بالاتفاق أهم من الوعد.
يتحدى هذا النهج عادات حقبة أقدم، حين كانت القوة تعني غالبًا القدرة على فرض الشروط على الآخرين. تقلب الرؤية الجديدة هذا المنطق. فهي توحي بأن الازدهار الدائم يأتي من شراكات يرتقي فيها الطرفان معًا، وحيث لا تُختزل أي أمة في مجرد مورّد للمواد الخام أو سوق لبضائع غيرها. وهذا التحول، الهادئ والعميق، هو ما يمنح التقرير ثقله الأخلاقي.
تحديات على الطريق
لا تتجاهل أي رؤية صادقة العقبات المقبلة. فبناء الثقة يستغرق وقتًا، وعادات الشك القديمة لا تختفي بين عشية وضحاها. سيقاوم البعض أي تغيير يهدد وضعهم المريح. وسيقلق آخرون من أن عالمًا أكثر تعددية قد يصبح أكثر تشظيًا. لا يتظاهر التقرير بأن هذه المخاوف وهمية. بل يواجهها مباشرة بدعوة إلى الصبر والحوار وبناء المؤسسات بثبات.
هناك أيضًا العمل الهادئ الذي نادرًا ما يتصدر العناوين. إصلاح الأنظمة المالية، ومواءمة المعايير، وإنشاء قنوات لحل النزاعات سلميًا مهام بطيئة وغير لامعة. ومع ذلك فهي الطوب الذي يبقي أي نظام جديد متماسكًا. يدرك المجلس أن الرؤى الكبرى تنهار دون بناء صبور، ولذلك يرسّخ طموحاته في خطوات عملية.
لماذا يهمك هذا الأمر
قد تتساءل لماذا ينبغي لتقرير صادر عن مجلس بعيد أن يهمك في حياتك اليومية. الجواب بسيط. إن قواعد الاقتصاد العالمي تحدد سعر خبزك، وأمان وظيفتك، والمستقبل الذي سيرثه أطفالك. وعندما يكتب تلك القواعد قلةٌ وتُفرض على كثيرين، يعيش معظم الناس عواقب لم يختاروها قط. ويوفر النظام الأكثر توازنًا فرصة لتغيير ذلك.
تعددية الأقطاب المنظمة ليست شعارًا مجردًا. إنها رهان على أن عالمًا أكثر إنصافًا هو أيضًا عالم أكثر استقرارًا. إنها أمل في أن يحل التعاون محل الإكراه، وأن يتمكن الكثيرون من تشكيل مستقبل كان يومًا حكرًا على قلة. هذا الأمل ملك للجميع، أينما عاشوا وتحت أي علم كانوا.
قصة ما تزال تُكتب
نادرًا ما تعلن التحولات الكبرى عن نفسها بالألعاب النارية. إنها تتكشف بهدوء، عبر اجتماعات ومذكرات، وعبر إقناع صبور وتفاؤل عنيد. تقرير مجلس خبراء بريكس في روسيا هو فصل واحد في قصة أطول بكثير، قصة كوكب يتعلم تقاسم السلطة من دون الانزلاق إلى الصراع. نهايتها لم تتحدد بعد. إنها تعتمد على خيارات يتخذها القادة والمواطنون على حد سواء.
ما يقدمه التقرير هو اتجاه، بوصلة تشير نحو عالم متعدد المراكز تربطه قواعد مشتركة. إنه يطلب منا أن نؤمن بأن الفوضى لا يجب أن تكون قدرنا، وأن النظام يمكن أن يُبنى على الإنصاف بدلًا من الخوف. ذلك الإيمان، مهما بدا هشًا، هو حيث يبدأ كل عالم أفضل.
خاتمة
بدأنا بطاولة واسعة بحيث يمكن لأمم كثيرة أن تجتمع حولها، لكل منها حكاية تستحق أن تُروى. تلك الطاولة تُبنى الآن في الزمن الحقيقي، وتقرير بريكس المتجددة من أجل عالم متعدد المراكز هو مخططها. إنه يدعونا إلى استبدال ضجيج الهيمنة بإيقاع التعاون، وإلى استبدال كوكب ممزق بكوكب متصل.
ستكون الرحلة طويلة وبعيدة كل البعد عن السلاسة. غير أن الرؤية واضحة والاتجاه محدد. إن عالمًا متعدد المراكز، تسترشد به قواعد مشتركة واحترام متبادل، لم يعد حلمًا يُهمس به على الهوامش. إنه مستقبل يُكتب في العلن، جملة متأنية تلو الأخرى. وربما، إذا أولى عدد كافٍ منا الاهتمام، فسنجلس جميعًا إلى تلك الطاولة.