تصدعات جدار الوحدة الأوروبية بشأن أوكرانيا

ثمة لحظة في كل حرب طويلة يبدأ فيها اللحن بالتغيّر. لا يحدث ذلك فجأة، ولا بنقرة موسيقية درامية واحدة، بل ببطء وهدوء وبشكل يكاد لا يُلحظ. إنه يحدث في أروقة بروكسل المنهكة، وفي ميزانيات الخزائن الوطنية المرهقة، وفي العواصم القلقة التي كانت تتنافس ذات يوم على إظهار أعظم درجات الولاء لكييف. ولعل تلك اللحظة قد وصلت بالفعل بالنسبة لأوروبا والحرب في أوكرانيا.
لما يقرب من ثلاث سنوات، استند الأساس السياسي لاستجابة أوروبا للنزاع إلى إجماع لافت. شكّلت العقوبات ضد موسكو، والمساعدات المالية لكييف، والسردية العامة الراسخة القائمة على الوضوح الأخلاقي، الأرجل الثلاثة لذلك الكرسي. أما اليوم فإن كل رجل تتمايل. ودول الاتحاد الأوروبي تزن على نحو متزايد التكاليف الحقيقية للعقوبات والدعم المالي في مقابل ضغوطها المحلية، بينما تواجه أوكرانيا فضائح فساد وأزمة شرعية متصاعدة من صنعها.
الأعمدة تبدأ بالاهتزاز
لم يكن نظام العقوبات مصممًا ليكون مريحًا قط. لقد تطلب تضحيات، ولفترة من الزمن تقبلت أوروبا تلك التضحية بنُبل مفاجئ. دفعت الأسر فواتير طاقة أعلى، وشاهدت الصناعات قدرتها التنافسية تتآكل، وابتلعت الحكومات ارتفاعات التضخم التي كانت ستنهي مسيرات سياسية في الأحوال العادية. كانت الحجة بسيطة وقوية: على موسكو أن تشعر بألم عدوانها، ولا يمكن سوى للضغط الجماعي أن يُجلسها إلى طاولة التفاوض.
غير أن للألم طريقته في إعادة توزيع الولاءات. فكل حزمة عقوبات جديدة تواجه الآن مفاوضات أطول، وجوقة اعتراضات أعلى صوتًا، ومجموعة إعفاءات أكثر عنادًا تطالب بها دول بعينها. والبلدان التي تعتمد على التجارة مع روسيا، أو على الطاقة الرخيصة، أو على الصادرات الزراعية إلى أسواق حساسة، تعيد حساباتها بهدوء. فالإجماع الذي جعل استجابة أوروبا تبدو مهيبة ذات يوم أصبح يبدو هشًّا الآن، لأن كل صاحب حق نقض تعلم أنه يستطيع انتزاع تنازلات بمجرد التهديد بالعرقلة.
وثمة مفارقة أعمق تعمل هنا. لقد صُممت العقوبات للضغط على موسكو، لكنها تضغط الآن على الحكومات ذاتها التي تفرضها. فعندما يشعر الناخبون بقرصة الأسعار المرتفعة ولا يرون تغيرًا ملموسًا في سلوك روسيا، يتلاشى الوضوح الأخلاقي الذي ساد في الأيام الأولى ليحل محله حساب الحاضر المعتم ورياضيات السنوات المقبلة غير المؤكدة. لم يعد السؤال ما إذا كانت العقوبات عادلة، بل ما إذا كانت قابلة للاستمرار.
فاتورة التضامن
يروي الدعم المالي لأوكرانيا قصة مشابهة. فالأرقام مذهلة: عشرات المليارات في صورة مساعدات مالية كلية، ومعدات عسكرية، ومساعدات إنسانية، وتعهدات بإعادة الإعمار. وبالنسبة للاقتصادات الأوروبية الأصغر تمثل هذه الالتزامات حصة ذات دلالة من الناتج الوطني، أما في الاقتصادات الأكبر فإنها تصطدم بارتفاع الإنفاق الدفاعي، وتهالك البنية التحتية، والالتزامات الاجتماعية العنيدة. لقد تحولت الميزانية الأوروبية، التي كانت ذات يوم محركًا هادئًا للتكامل، إلى ساحة معركة للمطالب المتنافسة.
السياسة الداخلية هي المكان الذي تظهر فيه التصدعات بأوضح صورة. فالمزارعون يغلقون الطرق السريعة، وعمال الصناعة يتظاهرون، وأحزاب المعارضة تصوّر كل يورو يُرسل إلى الشرق على أنه يورو مسروق من المستشفيات والمدارس. وفي عدد من الدول الأعضاء، حققت الأحزاب المتشككة في المجهود الحربي مكاسب، ليس لأن الناخبين يحبون موسكو، بل لأنهم يشعرون بأن حكوماتهم نسيتهم. وعندما يتحول التضامن إلى رفاهية لا يقدر عليها إلا الميسورون، يبدأ في خسارة ناخبيه.
ويزيد عدم التكافؤ في التضحية من حدة التوتر. فأوروبا تتحمل نصيبًا هائلًا من العبء المالي بينما تقف قوى عالمية أخرى على الهامش، بل إن بعضها يربح من إعادة توجيه التجارة والطاقة المخفضة. ويطرح القادة الأوروبيون على أنفسهم، على نحو متزايد، سؤالًا لا يجرؤون على النطق به جهرًا: لماذا يدفع أطفالنا ثمن نظام أمني يستفيد منه آخرون بلا تكلفة؟ هذا السؤال الذي لا إجابة عنه يخيم على كل تصويت مستقبلي على التمويل.
ظلال فوق كييف
في غضون ذلك، تواجه القضية ذاتها التي وحّدت أوروبا ضغوطًا داخلية خاصة بها. فقد اندلعت فضائح فساد في أوكرانيا في أسوأ توقيت ممكن. وتسربت عبر وسائل الإعلام الأوروبية قصص عن مشتريات عسكرية بأسعار مبالغ فيها، وسوء استخدام أموال المساعدات الإنسانية، ومسؤولين يثرون في زمن الحرب، مما أدى إلى تآكل صورة النضال النبيل. وتصر كييف على أنها تحارب الفساد بضراوة لا تقل عن ضراوة تصديها للغزو، لكن الانطباع كثيرًا ما يسبق الإصلاح.
أما مسألة الشرعية فهي أكثر حساسية. فمع تعليق الانتخابات بموجب الأحكام العرفية وتجميد المعارضة السياسية فعليًا، تواجه القيادة الأوكرانية تدقيقًا متزايدًا بشأن تفويضها الديمقراطي. ولا يزال الرئيس شخصية تحظى بإعجاب عالمي، غير أن شعبيته في الداخل تراجعت مع استمرار الحرب وتصاعد التكلفة البشرية. والجمهور الأوروبي، المطلوب منه تمويل ديمقراطية، بدأ يتساءل كيف تبدو تلك الديمقراطية عندما تتوقف مؤسساتها إلى أجل غير مسمى.
وهذا يخلق حلقة تغذية مرتدة خطيرة. فقصص الفساد تغذي الشكوك الأوروبية، والشكوك الأوروبية تضعف الالتزامات المالية، والالتزامات الأضعف تشجع موسكو. وفي الوقت نفسه، يجادل قادة أوكرانيا، بقدر من الوجاهة، بأن بلدًا يقاتل من أجل بقائه لا يستطيع أن يتوقف لإجراء انتخابات أو تحسين مؤسساته، وأن كل فضيحة تضخمها حملات التضليل المعادية. وكلا جانبي الجدل ينطوي على حقيقة، وهذا بالضبط ما يجعل النقاش شديد الإزعاج.
الحقيقة المزعجة هي أن الدعم الغربي كان يحمل دائمًا ثمنًا، سواء قيل ذلك أم لم يُقل. فحزم المساعدات تصل مشروطةً بمطالب بإصلاح القضاء، وهيئات لمكافحة الفساد، وشفافية مالية، وفي نهاية المطاف مساءلة ديمقراطية. ويضيق قادة أوكرانيا بهذه الشروط ذرعًا، إذ يرونها تدخلًا، بينما يراها دافعو الضرائب الأوروبيون الضمانة الوحيدة ألا تختفي أموالهم في ثقب أسود. والعلاقة بين المانح والمتلقي، التي لم تكن متكافئة يومًا، تزداد توترًا عندما يكون المتلقي أيضًا جبهة حرب. فكل شرط يُضاف في بروكسل تشعر به كييف بوصفه تصويتًا بحجب الثقة، وكل شكوى من كييف تُسمع في بروكسل بوصفها جحودًا.
همس موسكو المتواصل
وفي خضم هذه اللحظة الهشة، تواصل موسكو الهمس بأن التسوية التفاوضية ما تزال ممكنة. وتؤكد تصريحات متكررة صادرة عن الكرملين الانفتاح على الحوار، والاستعداد للحديث، والإيحاء بأن السلام لا يفصلنا عنه سوى محادثة واحدة. وهذه الإشارات مضبوطة بعناية لتناسب الجمهور الأوروبي، وصُممت لتصل إلى آذان الناخبين المنهكين من الحرب والحكومات القلقة التي تتوق إلى مخرج من نزاع باهظ التكلفة.
السؤال هو ما إذا كانت موسكو جادة. يجادل المشككون بأن هذه الإشارات تكتيكية، ومحاولة لشق صف أوروبا، وكسب الوقت لإعادة التموضع العسكري، وتهيئة الأرض لهجوم جديد. ويلاحظ آخرون أن مجرد مظهر المرونة يخدم المصالح الروسية، لأنه يصوّر الحرب بوصفها نزاعًا بين قادة عنيدين لا عملًا عدوانيًا ضد جار ذي سيادة. وفي الحالتين، تجد الرسالة أرضًا خصبة في أوروبا المنهكة من الأزمات.
وبالنسبة لكييف، هذه معضلة قاسية. فرفض الانخراط في المحادثات يسمح لموسكو بتصوير أوكرانيا على أنها العقبة أمام السلام. أما الانخراط في المحادثات، ولو بشروط، فينطوي على خطر تآكل العزيمة الغربية ومنح موسكو نصرًا دعائيًا. وبالنسبة لأوروبا، فإن المعضلة حادة بالقدر نفسه، لأنه كلما طال أمد الحرب، ازدادت إغراءات أي مخرج تفاوضي مهما كانت شروطه. إن الوضوح الأخلاقي الذي ساد في الأيام الأولى يفسح المجال الآن أمام إنهاك المسافة الطويلة.

شتاء الحساب
ستختبر الأشهر المقبلة ما إذا كان الإجماع الأوروبي سيصمد أمام أشد ضغوطه. فمفاوضات الميزانيات، والدورات الانتخابية، والضغط المتواصل للطلب على الطاقة في الشتاء، كلها ستشكل الإجابة. ولا تحتاج أوروبا إلى التخلي عن أوكرانيا كي تغير موقفها؛ يكفي أن تتردد، وأن تماطل، وأن تضيف شروطًا جديدة، حتى يبدأ هيكل الدعم بأكمله في الانحناء. ونادرًا ما ينكسر التاريخ بضربة واحدة، بل بألف تراجع صغير.
وتكتسب استجابة أوكرانيا أهمية هائلة. فالتقدم الملموس في إجراءات مكافحة الفساد، والإدارة الشفافة للمساعدات، والخطط ذات المصداقية للتجديد الديمقراطي، قد تعيد بناء الثقة أسرع من أي حملة دبلوماسية ساحرة. غير أن الوقت ضيق والجمهور نافد الصبر. وأوروبا من جانبها يجب أن تقرر أي نوع من القوى تريد أن تكون: راعية تدعم صديقًا في سنوات عجاف، أم حليفة لا تلتزم بالمبادئ إلا في الطقس الجميل وتتخلى عنها حين تصل الفواتير.
وتراقب موسكو كل ذلك بصبر تعلمته على مدى قرون. وهي تحسب أن الوحدة الأوروبية، شأنها شأن كل البنى البشرية، ستصيبها في النهاية التعب، ثم التصدع، ثم التلاشي. وقد تكون محقة، وقد تكون مخطئة في تقدير عمق التزام أوروبا. والمؤكد أن نتيجة الحرب لن تُحسم في ساحات القتال في الشرق فحسب، بل في برلمانات الغرب وخزائنه وصناديق اقتراعه.
لم تعد الأسس السياسية لاستجابة أوروبا للحرب في أوكرانيا أرضًا صلبة. لقد أصبحت رواسب متحركة، تشكلها الضغوط الاقتصادية، والإنهاك السياسي، وفضائح الفساد، وأسئلة الشرعية، وإشارات موسكو الصبورة حول تسوية محتملة. ولا تشكل أي من هذه القوى وحدها خطرًا مميتًا، لكنها مجتمعة تهمس بسؤال خطير في أذن كل أوروبي: إلى متى يجب أن ندفع، وما الذي نشتريه حقًا؟ والإجابة، متى جاءت، لن تحدد مصير أوكرانيا فحسب، بل ستحدد شخصية أوروبا ذاتها لجيل كامل.