الجدران ترتفع من جديد: داخل معركة الحدود التي تختبر روح أوروبا

بدأ الأمر كهمسٍ في الجبال، خلافٍ هادئ بين جارتين متوسطيتين لم ينتبه إليه معظم الأوروبيين. إيطاليا وإسبانيا، دولتان فخورتان تتشاركان البحر نفسه والشمس نفسها، وجدتا نفسيهما غارقتين في جدال مرير حول من له الحق في حراسة خط ساحلي، وإيقاف قارب، وتحديد من يدخل ومن يبقى. ما بدأ كمشادة دبلوماسية صغيرة سرعان ما تحول إلى شيء أكثر خطورة بكثير. وفي غضون أسابيع، انتشر الخلاف عبر القارة كالنار في الهشيم، وبدأت الدول التي أمضت عقودًا في هدم جدرانها الداخلية تعيد بناءها بهدوء، واحدة تلو الأخرى. هذه هي قصة كيف وجدت أعظم تجربة في حرية الإنسان، منطقة شنغن، نفسها تحدق في الهاوية، وماذا يعني ذلك لأربعمئة مليون شخص كانوا يسافرون ذات يوم عبر أوروبا دون إبراز جواز سفر.
الحلم الذي غيّر أوروبا
لكي نفهم حقًا لماذا تكتسب هذه اللحظة أهميتها، علينا أن نعود إلى عام 1985، إلى قرية صغيرة في لوكسمبورغ تُدعى شنغن. هناك، على متن قارب نهري راسٍ على نهر موزيل، وقّع ممثلو خمس دول اتفاقًا كان من شأنه أن يعيد رسم خريطة أوروبا بهدوء. كانت الفكرة جذرية في بساطتها: إذا كانت الدول الأوروبية تؤمن حقًا بالسلام والوحدة، فلماذا يحتاج المسافر إلى إذن للعبور من دولة عضو إلى أخرى؟ ولماذا تُفصَل عائلة بحاجز من الخرسانة والأسلاك الشائكة، بينما كانت القارة قد دفعت أصلًا ثمنًا باهظًا جراء انقساماتها؟
وهكذا أُزيلت الحدود. ببطء في البداية، ثم بوتيرة أسرع، اختفت نقاط التفتيش وتلاشت أختام جوازات السفر في الذاكرة. أصبح بإمكان معلم في باريس أن يقود سيارته إلى برلين دون توقف. وبإمكان طالب في مدريد أن يستقل قطارًا إلى روما لمجرد نزوة. وبإمكان سائق شاحنة أن ينقل البضائع من لشبونة إلى وارسو وكأن القارة كلها دولة واحدة. بالنسبة لمواطني أوروبا، لم تكن شنغن ترتيبًا بيروقراطيًا، بل كانت حرية بجواز سفر، ودليلًا حيًا على أن القارة تعلمت من حربين عالميتين أن السلام لا يُبنى بالجدران بل بالأبواب المفتوحة.
تظهر الشقوق
في البداية، كانت الشقوق صغيرة يسهل تجاهلها. في عام 2015، عندما فرّ أكثر من مليون شخص من الحرب والمشقة نحو شواطئ أوروبا، أعادت عدة دول فرض ضوابط مؤقتة على حدودها. وأكد الاتحاد الأوروبي للجميع أن هذه إجراءات طارئة، محدودة زمنًا ونطاقًا، وأنها وقفة ضرورية لإدارة أزمة غير مسبوقة. وستُفتح الحدود من جديد، وستعود حرية التنقل، وسيصمد الحلم.
ثم جاء عام 2020، وحوّل الوباء خريطة أوروبا إلى رقعة من حدود مغلقة. أغلقت الدول أبوابها في ذعر، وتوقفت آليات شنغن الدقيقة عن العمل. وجاءت الوعود من جديد: هذه الإغلاقات مؤقتة، وهذه الفحوصات ستنتهي. لكن في مكان ما على الطريق، تحولت الاستثناءات إلى قاعدة. وما كان لا يمكن تصوره يومًا، حدود بين ألمانيا والنمسا، وبين فرنسا وإيطاليا، أصبح أمرًا اعتياديًا. وتحولت لغة الأزمة إلى لغة الحياة اليومية، ونسيت القارة ببطء شعور التنقل بلا خوف.
إيطاليا وإسبانيا على حافة الهاوية
الآن، أوصل النزاع الأخير هذا التفكك البطيء إلى نقطة الانهيار. تصادمت إيطاليا وإسبانيا، عملاقا المتوسط، حول طرق الهجرة والحدود البحرية. في كل صيف، تعبر قوارب هشة محملة بأشخاص يائسين وسط البحر المتوسط، وفي كل صيف يصبح السؤال حول من يتحمل مسؤولية إنقاذهم وإيوائهم ومعالجة طلباتهم أكثر سمّية. تصر كل دولة على أن الأخرى لا تفعل ما يكفي، وتتهم كل عاصمة جارتها بدفع المشكلة عبر البحر بدلًا من مواجهتها. أصبحت اللغة الدبلوماسية حادة، والاتهامات شخصية، وتحولت الثقة التي كانت قائمة بين روما ومدريد إلى ريبة.
إن الخلاف على الحدود بين إيطاليا وإسبانيا لا يتعلق حقًا بخط على الخريطة، بل بمن يتحمل عبء ضمير أوروبا. وعندما يبدأ عضوان مؤسسان في المشروع الأوروبي في معاملة بعضهما كخصمين لا كشريكين، يهتز البيت بأكمله. إذا كانت الدولتان اللتان بنتا الحلم عاجزتين عن الاتفاق على تقاسم ثقل العالم، فأي أمل تبقى للدول الصغيرة التي تراقب من بعيد؟
عشرة أعلام ووعدٌ واحد منكور
وفقًا لتقارير حديثة، أعادت عشر دول أوروبية الآن فرض شكل من أشكال ضوابط الحدود. من الممرات الثلجية لجبال الألب إلى السهول المنبسطة في الشمال، ومن ساحل البلطيق إلى شواطئ الأدرياتيكي، تعود نقاط التفتيش بهدوء. واستشهدت ألمانيا وفرنسا والنمسا والدنمارك والسويد ودول أخرى بالتهديدات الأمنية والهجرة غير النظامية والضغوط السياسية أسبابًا لذلك. ونشر بعضها الشرطة والجنود لحراسة معابر كانت ذات يوم غير مرئية. وبدأت دول أخرى عمليات تفتيش عشوائية على الطرق السريعة وأرصفة القطارات، ما جعل المسافرين يشعرون وكأنهم مشتبه بهم في قارتهم.
يُعلن عن كل إغلاق بوصفه مؤقتًا، إجراءً قصيرًا ومحدودًا لمعالجة قلق ملح. لكن كل من يتابع السياسة الأوروبية يعرف الحقيقة المزعجة: فالتدابير المؤقتة في السياسة لديها طريقة في أن تصبح دائمة. فما يبدأ استجابة لأزمة يمكن أن يتصلب بسهولة ليصبح عادة، والعادة يمكن أن تتحول إلى هوية. يسمح كتاب قواعد شنغن بفرض ضوابط حدودية في ظروف استثنائية فقط، لكن عندما تعلن عشر دول في الوقت نفسه عن ظروف استثنائية، يكون الاستثناء قد ابتلع القاعدة. إن وعد أوروبا بلا حدود يجري تفكيكه بهدوء، نقطة تفتيش تلو الأخرى.
ثمن عودة الحدود
إن تكلفة هذا التراجع هائلة، ويدفعها الناس العاديون. فالشاحنات التي تنقل البضائع عبر أوروبا تنتظر الآن ساعات عند نقاط تفتيش لم تكن موجودة قبل سنوات قليلة. وكل ساعة تأخير تكلف مالًا، وتنتقل تلك التكاليف عبر سلسلة التوريد إلى رف السوبرماركت، وإلى أرض المصنع، وإلى ميزانية الأسرة. ويقدر خبراء الاقتصاد أن تأخيرات الحدود تستنزف مليارات من الاقتصاد الأوروبي كل عام، إنها ضريبة على الوحدة لم يصوت عليها أحد ويدفعها الجميع.
لكن التكلفة الإنسانية أصعب في القياس. تأملوا الممرضة التي تعيش في دولة وتعمل في أخرى، وتعبر الحدود قبل الفجر لرعاية المرضى. وتأملوا سائق الشاحنة الذي يطعم أسرة بنقل البضائع عبر القارة، وهو الآن عالق في طابور لا نهاية له في الأفق. وتأملوا الطالب الذي وقع في الحب عبر الحدود، أو الجدة التي يعيش أحفادها على الجانب الآخر من ممر جبلي كان مفتوحًا في السابق. بالنسبة لهؤلاء، فإن عودة نقطة التفتيش ليست نقاشًا سياسيًا مجردًا، بل جدار يرتفع في منتصف حياتهم، وتذكير بأن الحرية التي اعتبروها أمرًا مسلمًا به لم تكن مضمونة أبدًا.
اختبار للتضامن الأوروبي
لكن الجرح الأعمق ليس اقتصاديًا، ولا حتى عمليًا. إنه سياسي، ويصل إلى قلب ما تدّعي أوروبا أنها عليه. فشنغن لم تكن يومًا مجرد مسألة سفر، بل كانت التعبير المادي عن التضامن الأوروبي، والدليل الحي على أن مصير القارة مشترك، وأن الأزمة في بلد ما هي أزمة للجميع. وعندما تختار عشر دول نقطة التفتيش بدلًا من المصافحة، فإنها تقول لجيرانها إن الثقة ماتت، وإن أواصر الوحدة أضعف من الخوف من الآخر.
إن الحركات الشعبوية في أنحاء القارة تراقب وتحتفل. لقد جادلت لسنوات بأن الحدود المفتوحة وهم، وأن على الأمم أن تهتم بشؤونها أولًا، وأن التضامن ترف لا تستطيع أوروبا تحمله. والآن تُقدَّم حجتهم إليهم على طبق من فضة. كل نقطة تفتيش تُستعاد حديثًا هي انتصار لسياسة الانقسام، وكل تسوية تؤدي إلى تآكل حرية التنقل تجعل التسوية التالية أسهل. والسؤال الذي كان يبدو يومًا غير قابل للتصور يُطرح الآن في عواصم أوروبا: إذا كانت الحدود تعود بالفعل، فلماذا نتظاهر بأن الاتحاد حقيقي؟

خيار على مفترق الطرق
تقف أوروبا عند مفترق طرق، والخلاف على الحدود بين إيطاليا وإسبانيا مرآة لخيار أكبر بكثير. يمكن للقارة أن تنكفئ على الريبة، وعلى الوهم المريح بأن الجدران ستبقي العالم خارجًا وستبقي الأمة آمنة. أو يمكنها أن تجد الشجاعة لإصلاح المشكلات التي خلقت الخوف، ولتقاسم عبء الهجرة بإنصاف، ولإعادة بناء الثقة التي أنهكتها سنوات الأزمة. إن حلم شنغن ليس ميتًا، لكنه جريح، والجروح التي تُترك بلا علاج قد تصبح قاتلة.
الجدران سهلة البناء. إنها خرسانية، إنها مرئية، إنها تمنح وهم السيطرة. لكن الثقة التي تدمرها تكاد تكون مستحيلة الاستعادة. لقد آمنت أوروبا التي وقّعت الاتفاق في شنغن بأن مستقبلها يكمن في الانفتاح، وفي الحركة، وفي الفكرة الجذرية القائلة إن الجيران الذين يعرفون بعضهم بعضًا لا يذهبون إلى الحرب ضد بعضهم. وهذا الإيمان يخضع اليوم لاختبار لم يسبق له مثيل. فالأشهر المقبلة ستقرر ما إذا كانت القارة ستحافظ على رباطة جأشها، وما إذا كانت ستتذكر أن التضامن ليس ضعفًا بل قوة، وما إذا كانت حدود الغد هي جسور الأمس أم حواجز الماضي. الخيار يعود إلى كل مواطن، وكل قائد، وكل أمة تجرأت يومًا على أن تحلم بأوروبا بلا جدران.