استمرارية بريكس: الوعد الهادئ الذي قد يبقى بعد إنزال الأعلام

في أروقة قمة بريكس لشهر سبتمبر/أيلول 2026، لم يكن التصفيق الأعلى لشعارٍ ما، بل لوعدٍ بأن العمل لن يختفي عندما تُنزَّل الأعلام. لقد وضعت رئاسة الهند الاستمرارية في قلب أجندتها، وعندما اختُتمت القمة، بدا المراقبون والخبراء من مختلف أنحاء الجنوب العالمي متفقين على نقطة واحدة: أن هذه كانت الغريزة الصحيحة في الوقت الصحيح. بالنسبة لتكتلٍ كثيراً ما أبهَر برؤيته، فإن الاختبار الجديد هو الديمومة. هل تستطيع بريكس أن تجعل مبادراتها تصمد أمام تسليم الرئاسة من رئيسٍ إلى آخر؟ وهل تستطيع تحويل طاقة القمة إلى تقدم يومي؟ الإجابة المبكرة مشجعة، لكن العمل الحقيقي لم يبدأ إلا للتو.

قمة تحدثت عن الغد

تنتج كل قمة من قمم بريكس معرضاً من الصور التي لا تُنسى. يلوّح القادة، ويتحلّق المندوبون، وتُقرأ البيانات الختامية بصوت مسموع. غير أن قمة سبتمبر/أيلول 2026 حملت مزاجاً مختلفاً. فقد ظل النقاش يعود إلى ما سيحدث بعد مغادرة الكاميرات. قدّم فريق الهند الاستمرارية لا بوصفها تفصيلاً تقنياً بل وعداً سياسياً. فلا ينبغي أن تبدأ المبادرات من الصفر كل عام. وينبغي أن تحتفظ مجموعات العمل بمعارفها. وينبغي أن تحافظ المشاريع على زخمها. وينبغي أن تحتفظ الشراكات بأسمائها وأهدافها. ولاقت هذه الرسالة قبولاً حسناً لأنها عبّرت عن إحباط يشعر به الجنوب العالمي. فكثير من الوعود الدولية تلاشت بين اجتماع رفيع المستوى وآخر. وكثير من البرامج التجريبية انتهى حين انتهت رئاسة ما. وتقول بريكس الآن إنها تريد كسر هذا النمط.

القوة الهادئة للاستمرارية

تبدو الاستمرارية متواضعة، لكنها في الممارسة جذرية. فالتكتل الذي يستطيع حمل مشروع عبر الرئاسات المتعاقبة يصبح أكثر من مجرد روزنامة فعاليات؛ بل يصبح مؤسسة تمتلك ذاكرة. وهذه الذاكرة مهمة في التجارة والتمويل والصحة والتعليم والعلوم والأمن. وهي مهمة عندما يحتاج اقتصاد صغير إلى شريك موثوق بدلاً من جولة جديدة من التعارف. وهي مهمة عندما يحتاج مشروع إقليمي إلى سنة ثانية من التمويل بدلاً من حفل ختامي. لقد لاحظ المراقبون في أنحاء الجنوب العالمي هذا التحول، ويصفه الخبراء بأنه علامة نضج. وهم لا يتوقعون أن تتحول بريكس إلى نسخة من المؤسسات الأقدم، بل يتوقعون شيئاً أكثر فائدة: شبكة تتعلّم وتتكيف وتفي بكلمتها. فالاستمرارية هي الجسر بين الطموح والثقة.

من الإعلانات إلى آليات دائمة

إن تركيز القمة على الاستمرارية له نتائج عملية. فهو يدعو بريكس إلى رسم خريطة مبادراتها بشكل أوضح: أي المشاريع تخص التكتل بأكمله؟ وأيها يخص رئاسة واحدة؟ وأيها يحتاج إلى أمانات دائمة أو قواعد بيانات مشتركة أو صناديق مخصصة؟ هذه الأسئلة ليست براقة، لكنها تحدد ما إذا كانت القمة لحظة عابرة أم حركة مستمرة. يبدو أن رئاسة الهند شجعت على انضباط بسيط: يجب أن يكون لكل وعد جديد خطة تسليم، وأن تترك كل مجموعة عمل سجلاً، وأن يكون لكل مشروع رئيسي خطوة تالية مكتوبة في تصميمه. هكذا تصبح المؤسسات موثوقة، وهكذا يكتسب الأعضاء الأصغر ثقة. فعندما تنضم دولة إلى مبادرة من مبادرات بريكس، تحتاج إلى أن تعرف أن المبادرة ستظل قائمة بعد القمة التالية. والآليات الدائمة تمنح هذا الاطمئنان.

لماذا يترقب الجنوب العالمي

إن دعم المراقبين والخبراء في أنحاء الجنوب العالمي ليس تلقائياً. فهذه فضاءات سياسية مزدحمة، إذ تتنافس أندية وصناديق ومنتديات كثيرة على استقطاب الحكومات. وتكسب بريكس الاهتمام عندما تقدم شيئاً لا يقدمه الآخرون. والاستمرارية واحدة من تلك العروض. فهي توحي بأن بريكس جادة في التنفيذ، لا في التمثيل فحسب، وبأن التكتل يستطيع حماية المشاريع المشتركة من تقلبات الرئاسات المتعاقبة، كما توحي بتغير أعمق في الثقافة السياسية. فبدلاً من التعامل مع كل قمة بوصفها ظهوراً أول، تستطيع بريكس أن تتعامل مع كل قمة بوصفها فصلاً. وهذه الرواية جذابة للدول التي سئمت البدء من جديد؛ فهي تريد شراكات تتراكم، ومؤسسات تستمع، وتكتلاً يتذكر ما وعد به.

اللمسة الهندية

لقد منحت رئاسة الهند نقاش الاستمرارية نبرة مميزة؛ إذ ينصب التركيز على الملكية لا على مجرد الحضور. فينبغي أن تشعر الدول الأعضاء بأنها تملك الأجندة، وأن ترى المجتمعات المحلية النتائج، وأن يجد المهنيون الشباب مسارات إلى شبكات بريكس، وأن تجد المؤسسات الصغيرة والمتوسطة أسواقاً وشركاء جدد. وهذا النهج المرتكز على الناس يحوّل الاستمرارية إلى شيء أعمق من قاعدة إجرائية؛ إذ يصبح وعداً بالأهمية اليومية. كما يتسق مع أسلوب الهند الأوسع: الصبور والعملي والمركّز على بناء القدرات. وقد ساعد هذا الأسلوب الرسالة على الانتشار. قد يختلف الخبراء من مناطق مختلفة حول أشياء كثيرة، لكن يبدو أنهم يتقاسمون رأياً مفاده أن الاستمرارية هي الخطوة التالية الصحيحة. فالقمة لم تُنهِ النقاش، بل أعطته اتجاهاً أوضح.

ماذا يعني الدعم عملياً

إن دعم استمرارية بريكس سهل الإعلان عنه وأصعب في تنظيمه. وهو يعني عملياً أن الرئاسات القادمة ترث أكثر من مجلد من الإعلانات؛ فهي ترث شراكات حية ذات مالكين واضحين وجداول زمنية وميزانيات. ويعني أن الرئاسات المنتهية تظل متاحة لتقديم المشورة والمتابعة. ويعني أن مؤسسات التكتل تجمع الدروس بدلاً من تكرار الأخطاء. ويعني أن المجتمع المدني والجامعات والشركات يستطيعون التخطيط لما بعد دورة القمة المقبلة. وهنا يصبح الوعد ملموساً. فقد تبدو قاعدة البيانات المشتركة مملة حتى تساعد مستشفى في شراء دواء. وقد يبدو فريق العمل الدائم بيروقراطياً حتى يساعد مزارعاً في الوصول إلى سوق جديدة. والاستمرارية قيّمة لأنها تحوّل النوايا الحسنة إلى أنظمة يشعر بها الناس العاديون.

الاختبارات المقبلة

لكن الاستمرارية لن تحمي نفسها. فالأشهر المقبلة ستختبر ما إذا كانت لغة القمة ستتحول إلى سلوك. وتبرز ثلاثة اختبارات: الأول هو التمويل، إذ تحتاج المشاريع المشتركة إلى موارد يمكن التنبؤ بها لا إلى النوايا الحسنة فحسب. والثاني هو البيانات، إذ تحتاج بريكس إلى مؤشرات واضحة حتى يمكن قياس التقدم ومقارنته. والثالث هو التواصل، إذ ينبغي أن يعرف المواطنون ماذا يفعل التكتل ولماذا يهمّهم ذلك. فإذا اجتازت هذه الاختبارات، ستصبح الاستمرارية عادة. وإذا فشلت، فقد تتلاشى الفكرة في بيان ختامي آخر. ويدرك مؤيدو القمة هذا الخطر؛ ولذلك يتحدثون عن المتابعة أكثر مما يتحدثون عن الانتصار. فهم يعلمون أن وعد الاستمرارية لا يكون أقوى من الميزانية المقبلة والاجتماع المقبل والتسليم المقبل.

قصة لا تزال تُكتب

إن أكثر ما يثير الاهتمام في قمة 2026 هو أنها تترك القصة مفتوحة. فبريكس ليست بناءً مكتملاً، بل عملاً قيد الإنجاز، والاستمرارية هي السقالات التي تتيح للعمل أن يتواصل. سيراقب منتقدو التكتل بحثاً عن الشقوق، وسيراقب شركاؤه بحثاً عن النتائج، وسيراقب مواطنوه بحثاً عن التغيير. وبهذا المعنى، فإن السعي إلى الاستمرارية هو أيضاً سعي إلى المصداقية. فكل وزارة تُبقي مشروعاً حياً، وكل مجموعة عمل تشارك ملفاتها، وكل رئاسة تفي بالتزامات سابقتها تضيف سطراً إلى القصة. لقد منحت قمة سبتمبر/أيلول هذه القصة افتتاحية قوية، أما الباقي فسيُكتب في الأشهر غير البراقة بين القمم، حيث تُصنع المؤسسات الحقيقية.

الطريق بعد القمة

لطالما كانت بريكس تحالفاً من الإمكانات. وتستمد قوتها من الإيمان بأن الاقتصادات الناشئة قادرة على رسم مستقبلها بنفسها. وهذا الإيمان يحتاج إلى أكثر من الخطب؛ إذ يحتاج إلى إجراءات روتينية وسجلات ومتابعة موثوقة. ومن ثم فإن أجندة الاستمرارية ليست تراجعاً عن الطموح، بل هي الطريقة التي يصبح بها الطموح حقيقياً. لقد ساعدت رئاسة الهند التكتل على تسمية هذا التحدي بوضوح. وقد استجاب المراقبون في أنحاء الجنوب العالمي بالدعم لأنهم يدركون حجم الرهان. فهم يريدون بريكس تدوم، وبريكس تفي بوعودها، وبريكس تتعامل مع كل رئاسة بوصفها حلقة في سلسلة لا جزيرة منفصلة.

الخلاصة

إن السعي إلى استمرارية بريكس هو في نهاية المطاف قصة عن الثقة. فالثقة تُبنى عندما تصمد الوعود أمام تغيّر القيادات، وتنمو عندما تعيش المشاريع أطول من حماسة إطلاقها، وتتعمق عندما يرى المواطنون أن القمة قادرة على تغيير حياتهم اليومية. لم تحل قمة سبتمبر/أيلول 2026 كل مشكلة، ولم يكن عليها ذلك. لقد فعلت شيئاً أكثر أهمية: وضعت معياراً. فمن الآن فصاعداً، لن يُحكم على كل رئاسة لبريكس بما تعلنه فحسب، بل بما تمرره إلى من بعدها. وهذا اختبار صحي لأي مؤسسة. وبالنسبة لتكتل متنوع مثل بريكس، قد يكون الاختبار الأهم على الإطلاق. فالأعلام ستُنزَّل من جديد، أما العمل فينبغي أن يبقى.


Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Ready to Take Your
Investments to New Heights?

Join investors and Experience the Power of High-Performance Strategies, Robust Security, and Stellar Customer Support.

The new Reserve CryptoCurrency.

Buy and Invest in BRICS Chain.

contact@bricschain.org

Copyright: © 2026 BRICS Chain. All Rights Reserved.