بريكس: كيف تحوّل اختصار استثماري بسيط إلى قوة عالمية كبرى

أحيانًا تبدأ أكبر الحركات في التاريخ بشيء صغير شبه عادي، مثل عبارة ذكية كُتبت على صفحة بحثية. هكذا بدأت قصة بريكس بالضبط. لم تبدأ بقمة أو معاهدة أو تحالف كبير بين الدول، بل بدأت بأربعة أحرف وبخبير اقتصادي فضولي أراد ببساطة أن يلفت النظر إلى مستقبل الاقتصاد العالمي. وبعد خمسة وعشرين عامًا، تحولت تلك الأحرف إلى واحدة من أكثر التكتلات التي يُتحدث عنها على وجه الأرض، وإلى اسم ينطق به اليوم القادة والمستثمرون ودارسو الشؤون العالمية باحترام حقيقي.
في عام 2001، جلس جيم أونيل، الذي كان وقتها رئيسًا لقسم الأبحاث الاقتصادية العالمية في جولدمان ساكس، لكتابة ورقة بحثية. كان هدفه عمليًا؛ إذ أراد أن يُظهر أن أربع دول ناشئة سريعة النمو هي البرازيل وروسيا والهند والصين ستصبح محركات رئيسية لنمو الاقتصاد العالمي في المستقبل. فأطلق عليها تصنيفًا أنيقًا، وسماها «بريك». كان الاسم قصيرًا وجذابًا وسهل التذكر بالنسبة للمستثمرين. وما حدث بعد ذلك فاجأ الجميع تقريبًا، بمن فيهم الكاتب نفسه كما اعترف لاحقًا.
الورقة التي غيّرت النقاش
في البداية، لم يكن يُقصد لمجموعة «بريك» أن تكون ناديًا على الإطلاق. كانت مجرد فكرة، وعدسة تتيح للمستثمرين النظر إلى العالم بطريقة جديدة. فقد رأت ورقة أونيل أن الوزن الاقتصادي لهذه الدول الأربع كان يتم التقليل من شأنه بشدة من قِبل أولئك الذين يحركون الأسواق كل يوم. وأشار إلى أعداد سكانها الكبيرة، وتصنيعها السريع، وتطلعها الشديد إلى النمو. أنصت المستثمرون باهتمام، وظهرت صناديق جديدة، وبدأ المحللون يجمعون الدول الأربع معًا في التقارير والرسوم البيانية ونقاشات مجالس الإدارة. وهكذا بدأت عبارة وُلدت في صفحة واحدة تشكّل بهدوء مسار مليارات الدولارات.
لماذا كان الاسم مهمًا؟
قد يبدو الاسم أمرًا صغيرًا، لكنه في عالم المال والدبلوماسية مهم إلى حد بعيد. لقد منح تصنيف «بريك» الحقائق المتناثرة شكلًا واحدًا، وأتاح للصحفيين والمصرفيين والسياسيين التحدث عن أربع دول باعتبارها فكرة واحدة. إن عملية التسمية البسيطة هذه خلقت إحساسًا بالهوية المشتركة، والهوية المشتركة غالبًا ما تكون الخطوة الأولى نحو العمل المشترك.
أربع دول وتنبؤ جريء واحد
قدمت كل دولة شيئًا مختلفًا إلى الطاولة. فقد عرضت البرازيل أراضي زراعية شاسعة وموارد طبيعية غنية، وعرضت روسيا طاقة ومعادن بكميات هائلة، وعرضت الهند قوة عاملة شابة وحيوية تتوق إلى البناء، وعرضت الصين قوة تصنيعية ودافعًا لا يلين نحو التحديث. بدت هذه الدول مجتمعة وكأنها تروي نوعًا جديدًا من الحكاية الاقتصادية، حكاية لن تحتكر فيها القوى الغربية التقليدية كل الأوراق. تنبأ أونيل بأن هذه الاقتصادات قد تنافس أكبر اقتصادات العالم بحلول منتصف القرن الحادي والعشرين. كان ذلك ادعاءً مذهلًا في ذلك الوقت، وقد حوّل اختصارًا بسيطًا إلى رمز للطموح.
من مجرد تصنيف إلى نادٍ حقيقي
لسنوات، عاش هذا الاختصار في الغالب داخل عالم المال، ثم بدأت الدول نفسها تلتفت إليه. بدأ قادة البرازيل وروسيا والهند والصين في الالتقاء، وفي عام 2009 عقدوا أول قمة رسمية لهم، فتوقفت تلك الأحرف عن كونها مجرد اختصار استثماري وأصبحت منصة. انضمت جنوب أفريقيا في عام 2010، فتحولت «بريك» إلى «بريكس». وأصبحت المجموعة تتحدث بصوت مشترك حول التجارة والتنمية والرغبة في نظام عالمي أكثر إنصافًا تجاه الجنوب العالمي. وهكذا نما ما بدأ تصنيفًا ودودًا مناسبًا للتسويق حتى صار له عمود فقري وجدول أعمال ومقعد على الطاولة.
القمم الأولى وروح التعاون
كانت اللقاءات الأولى مليئة بالوعود. تحدث القادة عن إصلاح المؤسسات العالمية، وتعزيز التبادل التجاري فيما بينهم، وتقليل الاعتماد على أنظمة تهيمن عليها قوى غربية قليلة. وأنشأوا بنكًا للتنمية وترتيبًا احتياطيًا لدعم الأعضاء في أوقات الأزمات. لم تكن هذه مجرد لفتات رمزية؛ بل أشارت إلى أن هذه الدول تريد أدوات خاصة بها، تبنيها بأيديها. كان المزاج مفعمًا بالأمل ويكاد يكون متحديًا، وكأن مجموعة من الأصدقاء قررت التوقف عن الاستئجار والبدء في بناء منزل معًا.
طاولة أكبر وأعضاء جدد
لا شيء يبقى على حاله طويلًا. ففي عام 2024 فتحت المجموعة أبوابها على مصراعيها ورحبت بأعضاء جدد، من بينهم مصر وإثيوبيا وإيران والإمارات العربية المتحدة، بينما تصطف دول أخرى للانضمام. ظلت قائمة الدعوات تطول لأن وعد بريكس لقي صدى خارج حدود مؤسسيه بكثير. فقد رأت عشرات الدول في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية فرصة نادرة ليكون لها صوت على المسرح العالمي. النادي الذي كان يتسع حول طاولة صغيرة أصبح الآن بحاجة إلى قاعة أكبر بكثير.
ماذا يعني بريكس للاقتصاد العالمي؟
تمثل دول بريكس معًا حصة ضخمة من سكان العالم وأراضيه وناتجه. وهي تملك بعضًا من أكبر احتياطيات النفط والغاز والمعادن على كوكب الأرض، وتحتضن مدنًا مزدهرة ومصانع شاسعة ومستهلكين متعطشين للشراء. بالنسبة للمستثمرين العالميين، من المستحيل تجاهل هذه الكتلة. أما بالنسبة للدول النامية، فهي تقدم مسارًا بديلًا، وطريقة للتجارة والاقتراض من دون الاعتماد الدائم على مراكز القوة القديمة. وسواء قيست مكانة بريكس بالتجارة أو الطاقة أو الدبلوماسية، فإن ثقلها يواصل النمو.

الشكوك والنقاشات وآلام النمو
ليس الجميع مقتنعًا. إذ يشير المنتقدون إلى أن الأعضاء مختلفون جدًا عن بعضهم بعضًا؛ فلهم سياسات مختلفة واقتصادات مختلفة وأحيانًا مصالح متنافسة. ويتساءل البعض عما إذا كانت مجموعة بهذا التنوع تستطيع فعلًا أن تتحرك ككيان واحد، بينما يقلق آخرون من التوترات الداخلية وتفاوت الالتزام. هذه مخاوف مشروعة؛ فبناء تحالف دائم أصعب بكثير من ابتكار اسم ذكي. ومع ذلك، فإن مجرد استمرار هذه الدول في الالتقاء عامًا بعد عام يوحي بأن الفكرة ما تزال تحمل طاقة حقيقية وأملًا حقيقيًا وإرادة عنيدة لأن يُسمع صوتها. والنقاش نفسه دليل على المدى البعيد الذي قطعته هذه الفكرة.
الطريق إلى الأمام
إذن، ماذا بعد؟ يتصور المؤيدون عالمًا يضع فيه الجنوب العالمي المزيد من قواعده بنفسه، ويحلمون بأنظمة دفع جديدة وروابط تجارية أقوى وصوت أعلى في المؤسسات الدولية. أما المشككون فيتوقعون تقدمًا بطيئًا وتسويات فوضوية وخلافات كثيرة. والحقيقة على الأرجح ستكون في مكان ما بين هذا وذاك. لكن ما يبدو واضحًا هو أن الاختصار قد تجاوز غرضه الأصلي؛ فلم يعد مجرد وسيلة للحديث عن أربع أسواق أسهم واعدة، بل أصبح تجربة حية للتعاون بين بعض أكثر دول العالم طموحًا. وفي الحالتين، سيراقب العالم عن كثب.
قصة ما تزال تُكتب
قصة بريكس تذكير بأن للكلمات قوة هادئة. فباحث ذكي العقل بارع في صياغة العبارات أطلق من دون قصد حركة تمتد الآن عبر القارات. لقد شرع جيم أونيل في وصف مستقبل النمو الاقتصادي، وانتهى به الأمر إلى المساعدة في تشكيله. وبعد خمسة وعشرين عامًا، ما تزال الأحرف التي اختارها تتردد في القمم والخطب وقاعات التداول. لقد بُني حجرًا فوق حجر، وباجتماع تلو الآخر وعضو تلو الآخر، حتى أصبح بريكس أكثر بكثير من مجرد اختصار استثماري؛ بل أصبح رمزًا لعالم يمر بمرحلة تحول، وما تزال قصته تُكتب.