المسألة الكردية تستيقظ من جديد: كيف ساعدت السياسة الأمريكية في تشكيل معضلة جديدة في الشرق الأوسط

لكل نزاع قديم طريقته في التسلل مجدداً إلى العناوين الرئيسية حين لا يتوقعه العالم. فعلى مدى عقود، ظلت المسألة الكردية كبركان خامد في قلب الشرق الأوسط، مدفونة تحت محادثات السلام والتحالفات المتغيرة والدراما الصاخبة للتنافس بين القوى العظمى. لكن البراكين لا تظل هادئة إلى الأبد. فهي تدمدم وتتصدع، وفي النهاية تعيد تشكيل الخريطة. وهذا بالضبط ما يحدث الآن، إذ تتحرك تركيا نحو تقارب مضطرب مع حزب العمال الكردستاني، فيما يظل المقاتلون الأكراد راسخين في سوريا، ويستعد أكراد إيران لموجة أخرى من الضغوط من طهران. وفي قلب هذه العاصفة تقف واشنطن، عالقة بين ولاءات قديمة وواقع جديد، مضطرة إلى تقرير أي نسخة من سياستها في الشرق الأوسط تريد أن تُذكر بها.

هذه ليست قصة عن بلد واحد أو زعيم واحد. إنها قصة عن كيف ساعدت الخيارات الأمريكية، التي اتخذت على مدى عقود وغالباً في خضم الأزمات، على زرع بذور مشكلة ترفض الآن أن تزول. فالمسألة الكردية لم تُحل قط في الحقيقة. لقد تم تأجيلها فقط. وفاتورة ذلك التأجيل وصلت للتو، مكتوبة بلغة الصواريخ والحدود والوعود المنكوثة.

جذور المسألة الكردية

لكي نفهم الحاضر، علينا أن نمر على الماضي. فالأكراد من أكبر الأمم بلا دولة على وجه الأرض، منتشرون عبر حدود تركيا وسوريا والعراق وإيران. وعندما انهارت الإمبراطورية العثمانية ورسمت القوى الأجنبية الخريطة الحديثة للشرق الأوسط، وضعت آمال الأكراد في وطن جانباً بهدوء. لقد رسم الخطوط على الخريطة غرباء لم يعيشوا قط على تلك الأرض، وتُرك الأكراد على كل جوانب تلك الخطوط، فلا هم داخل أي أمة بالكامل، ولا هم مقبولون بالكامل لدى أي عاصمة.

لعقود من الزمن، خلق هذا استياءً بطيء الاحتراق كان ينفجر دورياً في صورة تمرد. خاضت تركيا حرباً طويلة ودموية ضد حزب العمال الكردستاني، الذي بدأ كفاحه المسلح في ثمانينيات القرن الماضي. سقطت عشرات الآلاف من الأرواح. وعسكرت مناطق بأكملها. وأُفرغت قرى، وتحولت الجبال إلى حصون، وأصبح النزاع من أبرز ملامح السياسة التركية الحديثة. كل حكومة تركية على مدى جيل وعدت بسحق التمرد، وكل واحدة منها اكتشفت أن مطلب شعبٍ بالاعتراف به لا يمكن سحقه بالقوة وحدها.

ثم جاءت سوريا. عندما اندلعت الحرب الأهلية في عام 2011، خلق الفوضى فراغاً في شمال سوريا، فتحركت القوات الكردية لملئه. وبفضل الدعم الجوي والأسلحة الأمريكية، أصبحت الميليشيا الكردية السورية المعروفة باسم وحدات حماية الشعب الشريك الأرضي الأكثر موثوقية لواشنطن في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية. كانت الشراكة براغماتية. وكانت فعالة. وكانت غير شعبية إلى حد كبير في أنقرة، التي كانت تنظر إلى وحدات حماية الشعب باعتبارها امتداداً لحزب العمال الكردستاني، وبالتالي تهديداً مباشراً لوحدة الأراضي التركية.

لم يذهب ذلك التناقض أبداً. كانت أمريكا تسلح في الوقت نفسه جماعة تعتبرها تركيا منظمة إرهابية، بينما تصف تركيا بأنها حليف حيوي في الناتو وتبيعها أسلحة متطورة. ولسنوات، حاولت واشنطن أن تجمع بين الأمرين، على أمل أن تدبر التناقضات نفسها بنفسها بطريقة ما. لكنها لم تفعل. بل نمت فحسب، وهي الآن تطرق باب السياسة الخارجية الأمريكية بإلحاح لم يعد بالإمكان تجاهله.

تقارب مفاجئ

الآن تتغير الأرض من جديد، وهذه المرة تأتي الحركة من أنقرة نفسها. لقد بدأت تركيا في استكشاف تقارب مع حزب العمال الكردستاني، وهي خطوة كانت ستكون غير واردة قبل بضع سنوات فقط. الأسباب معقدة، لكنها كلها تشير في الاتجاه نفسه: إن القيادة التركية تعيد التفكير في أولوياتها الاستراتيجية.

لقد دفعت الحرب في أوكرانيا، والديناميكيات المتغيرة لحلف الناتو، والمتاعب الاقتصادية المستمرة في تركيا، والرغبة في إبراز القوة خارج حدودها، كلها أنقرة نحو موقف أكثر مرونة. فالذوبان مع حزب العمال الكردستاني قد يسمح لتركيا بتقليل عبئها العسكري، وتحقيق الاستقرار في جنوبها الشرقي المضطرب، وتحرير موارد لطموحات أخرى. كما قد يعيد تشكيل الحسابات الإقليمية برمتها، لأنه إذا استطاعت تركيا الجلوس مع أقدم أعدائها، فإن التحالفات التي بنيت على تلك العداوة تبدأ في الاهتزاز.

لكن التقارب ليس حلاً. إنه انفتاح. والانفتاحات قد تنغلق بالسرعة نفسها التي تظهر بها. فحزب العمال الكردستاني ليس فاعلاً واحداً متجانساً، والمشهد الكردي مجزأ عبر أربعة بلدان، لكل منها قيادته الخاصة، ومظالمه الخاصة، وأحلامه الخاصة. قد تكون تركيا تفتح باباً، لكن خلف ذلك الباب غرفاً كثيرة، وليست كلها ودية تجاه أنقرة.

سوريا: ساحة المعركة التي ترفض الإغلاق

وفي غضون ذلك، تظل القوات الكردية في سوريا نشطة وراسخة بعمق. فالأرض التي تسيطر عليها على طول الحدود الشمالية الشرقية ليست مجرد منطقة عسكرية. إنها تجربة في الحكم الذاتي، بمؤسساتها الخاصة، واقتصادها الخاص، وعلمها الخاص، وإحساسها الخاص بالهوية. بالنسبة للأكراد، تمثل أقرب ما حصلوا عليه من حكم ذاتي في سوريا على الإطلاق. وبالنسبة لتركيا، تمثل تهديداً دائماً على خاصرتها الجنوبية، وتذكيراً بأن الحرب التي ظنت أنقرة أنها احتوتها لا تزال تغلي على نار هادئة.

لا تزال القوات الأمريكية تحتفظ بوجود في أجزاء من شمال شرق سوريا، وهي بقية من حملة مكافحة تنظيم الدولة الإسلامية التي لم تستطع واشنطن قط تفسيرها بالكامل أو إنهاءها. كل رئيس أمريكي في الذاكرة القريبة وعد بالانسحاب، وكل واحد منهم بقي في نهاية المطاف، لأن المغادرة كانت ستسلم الأرض إلى مزيج معقد من الفاعلين لا يثق بهم أحد في واشنطن تماماً.

المشكلة أن القوات الكردية في سوريا لا تنتظر التعليمات فحسب. إنها تبني مشروعاً سياسياً، وستدافع عنه. إذا مضت تركيا قدماً في تقاربها مع حزب العمال الكردستاني، فقد يغير ذلك طريقة تعامل أنقرة مع الأكراد السوريين، وربما يفتح مجالاً للتفاوض. لكن إذا انهار التقارب، فقد تعود الدورة القديمة من العمليات عبر الحدود والغارات الجوية وحرب الوكالة بكثافة متجددة، وستصبح سوريا مرة أخرى مقبرة النوايا الحسنة.

خناق طهران على أكراد إيران

عبر الحدود في إيران، الوضع أكثر تقلباً. فالمجموعات الكردية الإيرانية، التي يتخذ بعضها من جبال كردستان العراق مقراً له، تخضع لضغوط مستمرة من طهران منذ سنوات. شنت القوات الإيرانية ضربات صاروخية وبطائرات مسيرة داخل الأراضي العراقية ضد جماعات المعارضة الكردية، متهمة إياها بإثارة الاضطرابات داخل إيران. وتشكل الضربات تذكيراً بأن المسألة الكردية ليست مشكلة تركية فحسب. إنها مشكلة إقليمية تمس كل عاصمة في الجوار، من بغداد إلى أربيل إلى دمشق.

بالنسبة للولايات المتحدة، تمثل المسألة الكردية الإيرانية طبقة أخرى من المعضلة نفسها. لقد دعمت واشنطن تاريخياً الجماعات الكردية كورقة ضغط ضد طهران، لكنها حرصت على ألا تذهب بعيداً خوفاً من زعزعة استقرار المنطقة بأكملها. وفي الوقت نفسه، تنظر القيادة الإيرانية إلى أي تأكيد كردي على الحكم الذاتي باعتباره تهديداً وجودياً، لأنه قد يلهم حركات انفصالية داخل إيران نفسها.

والنتيجة هي طنجرة ضغط. فالمجموعات الكردية في إيران تواجه خناقاً وجودياً، والقوات الكردية في سوريا تواجه مستقبلاً غامضاً، وحزب العمال الكردستاني في تركيا يبحر في ذوبان هش وربما مؤقت. كل هذه الخيوط مترابطة. لا يمكن شد أي منها دون التأثير في الأخرى. وفي قلب تلك الشبكة المتشابكة تجلس واشنطن، تحاول أن تمسك بكل شيء بيد واحدة بينما تهتز الأرض تحت قدميها.

عمل التوازن المستحيل لواشنطن

وهذا يصل بنا إلى قلب المسألة: فعل التوازن المستحيل الذي يواجه واشنطن. فعلى الولايات المتحدة أن تحافظ بطريقة ما على شراكتها مع القوات الكردية، التي تظل أصولاً قيمة في سوريا وورقة ضغط مفيدة ضد إيران، بينما تحافظ في الوقت نفسه على تحالفها مع تركيا، العضو في الناتو الذي يحظى بأهمية استراتيجية هائلة ويقع عند مفترق طرق أوروبا والشرق الأوسط والقوقاز.

التوتر ليس جديداً. لقد كان يتفاقم منذ سنوات، ويُغطى باللغة الدبلوماسية والتسويات المؤقتة. لكن اللحظة الراهنة مختلفة، لأن كل القطع تتحرك في آن واحد. تركيا تعيد التفاوض على علاقتها مع حزب العمال الكردستاني. والوضع في سوريا متجمد في حالة لا حرب ولا سلام. وإيران تصعّد ضغوطها على الجماعات الكردية. والسياسة الأمريكية، العالقة بين كل هذه القوى، تخاطر بأن تتمزق.

كل خيار تتخذه واشنطن ستكون له عواقب. إذا مالت كثيراً نحو أنقرة، فإنها تخاطر بخيانة الشركاء الأكراد الذين نزفوا في حملة مكافحة تنظيم الدولة الإسلامية، وتمنح إيران نصراً دعائياً. وإذا مالت كثيراً نحو الأكراد، فإنها تخاطر بقطيعة مع تركيا قد تهز حلف الناتو بأكمله وتعيد رسم خريطة الأمن في المنطقة. ليس هناك طريق وسط مريح، بل سلسلة من المقايضات الصعبة، تحمل كل واحدة منها ثمناً سيدفعه شخص ما.

ما يزيد الأمر صعوبة أن السياسة الأمريكية ساعدت في خلق هذه الفوضى منذ البداية. فبتسليح الأكراد في سوريا دون خطة سياسية طويلة الأمد، وبالوعد بالدعم دون تحديد ما يعنيه ذلك الدعم، وبمعاملة المسألة الكردية كوسيلة تكتيكية مريحة لا كواقع استراتيجي، ساعدت واشنطن في بناء المعضلة ذاتها التي تواجهها الآن. لم تخلق الولايات المتحدة المسألة الكردية، لكن قراراتها شكلت كيف يُطرح هذا السؤال، ومن يجيب عنه، وبأي أسلحة.

ماذا سيحدث بعد ذلك

ستكون الأشهر المقبلة حاسمة. إذا نجا التقارب التركي مع حزب العمال الكردستاني من هشاشته المبكرة، فقد يفتح الباب أمام تسوية إقليمية أوسع، تحصل فيها الجماعات الكردية على شكل من أشكال الاعتراف مقابل نبذ العنف. سيكون ذلك تحولاً تاريخياً، لكنه سيتطلب من جميع الأطراف قبول تنازلات رُفضت لأجيال. كما سيتطلب من واشنطن أن تلعب دوراً لم ترتح له قط، هو دور الوسيط النزيه بدلاً من مورّد الأسلحة.

إذا فشل التقارب، فقد تنزلق المنطقة من جديد إلى صراع مفتوح. قد تستأنف تركيا عمليات واسعة النطاق ضد القوات الكردية في سوريا. وقد تكثف إيران ضرباتها عبر الحدود. وستصبح المسألة الكردية، التي لم تختف حقاً قط، مرة أخرى الأزمة المحددة للشرق الأوسط، تجذب إليها القوى الخارجية وتجبر العالم على الانتباه إلى مشكلة أمضى قرناً في تجنبها.

بالنسبة لواشنطن، الدرس غير مريح لكنه لا مفر منه. لا يمكنك أن تعامل شعباً كأداة ثم تتظاهر بأن تطلعاته لا تهم. ولا يمكنك أن تسلح شريكاً في حرب ثم تتخلى عنه في السلام. المسألة الكردية ليست مشكلة يمكن إدارتها بدبلوماسية ذكية وتحالفات مؤقتة. إنها سؤال عن العدالة، وعن الحدود، وعن الهوية، وعن من يقرر شكل الشرق الأوسط. وحتى يُجاب على هذا السؤال بصدق، سيظل يعود، مرة بعد مرة، مهما حاول العالم أن يشيح بنظره.

الخلاصة

المسألة الكردية لم تنته. لم تكن منتهية قط. كانت تنتظر فقط، تجمع قوتها في الظلال بينما ركز العالم على أزمات أخرى وعناوين أخرى. والآن عادت، أكبر وأكثر تعقيداً من أي وقت مضى، وتركيا وسوريا وإيران والولايات المتحدة جميعاً متشابكون في شبكتها، كل واحد يشد في اتجاه مختلف.

لقد ساعدت أمريكا في تشكيل هذه المشكلة الجديدة في الشرق الأوسط عبر عقود من الخيارات قصيرة النظر، إذ سلحت طرفاً بينما طمأنت آخر، ووعدت بالدعم دون استراتيجية، وعاملت مظلمة قديمة كإزعاج حديث. تلك الخيارات هي التي قادت إلى لحظة الحساب هذه. والسؤال الآن ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة ستتخذ خياراً، بل أي خيار ستتخذه، وهل لديها الحكمة لتدرك أن المسألة الكردية لن تُحل حتى يُجاب عنها بأكثر من القوة العسكرية.

في النهاية، هذه قصة عن العواقب. لكل سياسة ثمن، والشرق الأوسط هو المكان الذي تستحق فيه الفواتير السداد. لقد انتظر الشعب الكردي قرناً من الزمن حتى تؤخذ مسألته على محمل الجد. وما زالوا ينتظرون. وكلما طال أمد تأجيل العالم لإجابة صادقة، كلما ظلت خريطة الشرق الأوسط تتغير، أزمة تلو الأخرى، حتى يصبح السؤال مستحيل التجاهل.


Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Ready to Take Your
Investments to New Heights?

Join investors and Experience the Power of High-Performance Strategies, Robust Security, and Stellar Customer Support.

The new Reserve CryptoCurrency.

Buy and Invest in BRICS Chain.

contact@bricschain.org

Copyright: © 2026 BRICS Chain. All Rights Reserved.